موزاييك

يُقال في الشام أن حرفة الموزاييك ولدت هنا, ولدت بسبب الضجر وقلّة العمل بعد الحرب العالمية الأولى, فصار الحرفيين يسلّون أوقاتهم بصنع ألواح الموزاييك , يأتون بأنواع من الخشب البلدي من حقول أراضيهم, متباينة الأوان, خشب الليمون بلونه الأصفر وخشب الورد المائل للحمرة وخشب اللوز البنيّ وخشب الحور الأبيض وخشب الزيتون وخشب المشمش وخشب الكينا. يتم تقليمها وتحويلها لعيدانٍ رفيعةٍ متجاورة, تبرز التصميم الهندسي الذي يرسمه الفنان برصّها بجانب بعض, تُحزم كوحدٍ واحدة, حتى تعطي الشكل النهائي, تُسمى حينها نجمة أو وردة, مسدّسة, مثمّنة أو أثنى عشرية, حسب مزاج الصانع أو طلب الزبون, وبعد جمع النجمات ببعضها, تُسمى ” راجع ” تُقصّ بعدها كشرائح رفيعة بسماكاتٍ معيّنة تُلصق على لوحٍ خشبيّ وتدهن بالغراء اللامع وتتحول لدولابٍ أو مقعدٍ أو طاولة.

          ولإضافة البريق, يتم توزيع قطع صغيرة من الصدف في الأماكن المعتمة فتُشع, عندما يقع نظرك عليّها ” بتبيّن معاك الصدفات شاعلين شعل ” ينعكس عليها الضوء فتوحي بالحمرة تارة وتارةً تميل للأخضر الفاتح.

وقد راجت تلك الصنعة كرواجِ كل جديد, وأصبحت العائلات الاكابر تشترط تقديم ” طئم موزاييك ” ضمن جهاز العرس, وعندما أرادت البطركية في الشام تقديم هديّة ثمينة للبابا في الفاتيكان, أهدته ” خزانة موزاييك”.

          وعلى خطى البطركية, ابتعت لغرفة نومي خزانة موزاييك عمرها ثمانين سنة, بالإضافة للسنوات الأربع التي كنت أتردد فيها على المحل لمشاهدتها والتفكير بالجدوى العملية من استخدامها كدولابٍ للثياب والمفاصلة مع البائع على سعرها!

لم تكن تعجبني أعمال الموزاييك الحديثة, التي تكون مصقولة لامعة, وبقشرةٍ رقيقة مثبّتة بلاصقٍ رخيص, وكما يقول المثل OLD IS GOLD كنت أنجذب للقطع القديمة, التي تثبّت عليها قطع الموزاييك حبّة حبّة, فتتخذ مكانها الأبدي في الوح الخشبيّ, كما يعجبني أثر الزمن على لونها وتعتيقه.

          لم يكن دولابًا للثياب, بل فاترينه ضخمة لعرض التحف في صالةٍ فاخرة, وقعت عليه في محلٍ للستائر يملكه بائعُ سوري, كان قد عرض بعض القطع التي أتى بها من الشام وبقيّت طويلا في محله الذي لم يكن يلقى رواجًا بين الأثاث الحديث والأوربي أو المفصّل في الكويت حسب الطلب, كانت كبيرة الحجم بالنسبة لغرفة نوم, وباهضة الثمن لربةٍ منزل بلا دخلٍ شهري زوّجها يفضّل دولابًا عمَليًّا بمساحةٍ تتسع لأكبر قدرٍ من الثياب, على دولاب قديم مرتفع يصعب فتح أبوابه وغلقها دون جهدٍ وصرير وبالكاد يكفي لنصف كسوة الصيف!

          بعد أربع سنوات من العثور عليه, طلبت من البائع إزالة الرفوف التي بداخله, وتغطيّة واجهته الزجاجية بستارةٍ من الأورقنزا تُزَمّ من الداخل على طرفيّ الأبواب العلوي والسفليّ , ووضع أسطوانة معدنيّة في الأعلى لتعليق الثياب.

          عندما اتخذ الدولاب مكانه, شعرت بأن غرفتي لم تعد في الكويت, بأن أجنحةً قد حملتها إلى حارةٍ من حواري دمشق القديمة, وعلّقتها في الطابق العلوي لغرفةٍ تطل على أرض ديار حيث تسمع خرير الماء من فم البحرة, وطقطقات قباقيب البنات الخشبيّة في صدرها, بأن غرفتي قد أصبحت غرفة ” إم عصام ” في باب الحارة!

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s