بحبك يا لبنان

بعض المدن يخمد الشوق لها بمجرد زيارتها, وبعضها يزداد قبل أن تغادرها حتى. بعض المدن يمكنك تجاوزها والاكتفاء منها وبعضها تسكنك كلعنةٍ أبدية لن تستطيع الفكاك منها.

بحبك يا لبنان

          بين كل سفرٍ وآخر، تشدّني لبنان من أذني، كلما رحلت لمدينةٍ ما عدت إليها كالتكفير عن الذنب، وكلما عدت أبهرتني بتجددها المتسارع.

يثير استغرابي من يسافر مرارًا لنفس المدينة, يعود إليها في كل إجازة مغمضًا عينيّه عن الجديد والمدهش في مدائن العالم الأخرى, السفر بالنسبة لي يمثل الاكتشاف, وهذه الأرض قصرٌ فسيح بآلاف الحجرات المغلقة والعمر لن يكفي لفتح أبوابَ نزرٍ يسيرٍ منها, فما بالك إن كنت في كل مرة تطرق الباب ذاته.

          هذه النظرية أصبحت “فص ملح وذاب” بمجرد أن وقعت بفخ لبنان وجرى عليّ ما قالته صباح ذات أغنية ” ضيّعنا القلب ببيروت “, علقت لخمس سنوات متتالية تحت التأثير السحري لهذه الأرض, تحت تأثير لبنان الأخضر الحلو, يلي بنحبو بشمالو بجنوبو, بسهلو, بنحبو.

          مثلت لي لبنان البلد الذي تصب فيه مسرّات السياحة أجمع, الأمس والغد, المدينة والضيعة, الزحام والهدوء, الجبل والبحر, الحالة الثقافية والنزهة غير العابئة بالعالم, الشرق الأصيل والغرب الأرستقراطي, لبنان ختيارة مأنتكه مأصّلة معتّقة, وصبيّةٌ مغناج لعوب.

          أحببتها في الصيف وقد اشتدّت زرقة البحر الأبيض المتوسط وفي الربيع حيث تزهر أشجار اللوز والمشمش والكرز, في الخريف عندما تصطبغ الأوراق بتدرجات الأصفر والبرتقاليّ وفي الشتاء عندما تُكلل بزينة الميلاد الحمراء.

          لبنان المتنوع, المختلف في كل زاوية من زواياه, والجميل بوجوهه المتعددة, أحمله في ذاكرتي على ثلاثةِ حُقب, ذاكرة الطفولة عندما زرته مع والدي بعمر السبع سنوات, ذاكرة المراهقة عندما زرته مع عمي وأبناء عمومتي في سن العشرين, والذاكرة الأكثر جلاءً وجمالاً في زياراتي المتكررة له في السنوات الأخيرة.

إن قلت اكتفيت من لبنان, شدتني إليها كالحنين للوطن, أصبحت لا أستطيع تجاهل خيار العودة لرُباها كلما سنحت لي فرصة السفر, أتجاوز قائمة المدن المُشتهاة وأقول لزوجي بابتسامةٍ منهزمة: ”  توت توت ع بيروت “.

أحب أن أعود دومًا لبيروت، أن أتأمل وجهها المعتّق، وجهها الملطخ بالزمن وندوب الحرب والمضمّخ بالحكايا، وجها المكلل بالخضرة والأشجار التي تعرّش بين بنايةٍ وأخرى، أحب وجه بيروت وأشتاق إليه كما يشتاق المحب لوجه محبوبته.

بيروت أحلى على قدميّك

عندما تستأجر سيّارة في بيروت، فسيفوتك جزءٌ كبير من جمالها، سترى فقط الملامح السياحية ولن تستطيع أن تتغلغل في روحها، وتفهم مزاجها, بيروت لا تبوح بأسرارها إلا لمن يطلبها سيرًا قدمين، حالها حال كل المدن. لذلك, عندما أغادر الفندق لا أسارع بالتأشير لسيارة التاكسي, بل أفضّل التسكّع والتوهان في الشوارع, في الجميزة والأشرفية وكليمنصو ومونو, حيث المنازل العتيقة التي تحولت لمقاهٍ ومطاعم, وبوتيكات بيع الأنتيك والتحف والمشغولات اليدوية.

          أحب أن أملأ عيّنَيّ بالبيوت والعمائر البيروتية, بأقواسها وقناطرها وأشجارها وشبابيكها واحتفاءها بالحياة, البيوت التي كانت عندما زرتها في الطفولة خارجة للتو من الحرب, كبيوت الأشباح, ممتلئة بثقوب الرصاص, ومتهاوية تحت ضربات المدافع, أسوارها مهدّمة وواجهاتها مهشّمة, البيوت التي رثتها فيوز حين غنت ” رجعت على بيتي ما لقيتو لبيتي, دخان وزوايا لا ورد ولا سور“, هذه البيوت تعيد الآن ترميم ذاكرتها, نفضت عنها الحزن وتجاوزت آلامها.

أحب أن أرفع رأسي وأسترق النظر للشرفات, شرفة المنزل في بيروت، هي رئته الخضراء التي يتنفسّ منها وعينه الثاقبة التي عبرها يعرف كل أسرار الحيّ والجيران.
عندما اتسكّع سيرًا على الأقدام في شوارع بيروت أعلّق عيني على بلكونات المنازل، البلكونات المعلّقة أمام الشبابيك المقوّسة والمملوءة بالزريّعات والشجيّرات وأصايص الازهار، بلكونة مرفّهة وأخرى مهملة، بلكونة مأهولة بست البيت وزوجا الختيار، واُخرى تبدو مهجورة منذ سنين , يسعدني منظر جارتين تتبادلان الأسرار على مسمع ومرأى العابرين بصوتٍ عالٍ، أو على العكس، سيدة مهمومة تدخّن بصمت وضجر بجانب الغسيل الرطب الذي نشرته صباحا وكوب قهوتها.
عندما تتسكعون مثلي ذات يوم في شوارع بيروت، لا تفوتوا ابدا متعة النظر للشرفات.

One thought on “بحبك يا لبنان

  1. أعشق كلماتك لا تتصورين مدى سعادتي حينما أقرئها وصفك وكلماتك العذبة تأخني الى مكان بعيد بعيد أتمنى زيارته والاحاس به مثلما شعرتي

    Like

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s