بيت القمر

” بلدي درج اللوز, أربع خمس بيوت, وشوية شجر

بلدي درج اللوز, بالجبل العالي, بخيال الشجر ”  

*أغنية لفيروز

عندما تصل إلى بيت القمر, ستدرك أنه مبنيّ من كلمات هذه الأغنية, بيتٌ جبليّ، تنحدر تحت الدرجات الحجرية الموصلة إليه أشجار اللوز, الأشجار التي تضحك وتنوّر في الربيع, حيث يقول الشوام نوّر اللوز عندما تزهر أغصانه في آذار بورودها البيضاء الصغيرة كقناديلٍ تومض بعد عتمة, البيت الغارق بين غابات الصنوبر التي تملأ جبال الشوف, أفتتح مؤخرا  ليكون عنوانك الأجمل في بلدة دير القمر.

البيوت اللُبنانية بيوتٌ تحتفي بالحياة، نوافذها شاسعة، مشرّعة على الضوء، مؤثثة ببساطة القٌرى وأصالة الذكريات, لا تكاد ترى بيتاً يتخلى عن أثاثه بسهولة أو يستبدله، لطالما كانت تشدني صور البيوت اللبنانية التي أشاهدها في محركات البحث والمجلات والحسابات الشخصية على الانستجرام والفيس بوك, بيوت بأثاثٍ خشبيّ عتيق وأرائك ذات ألوان زاهية تنسجم وأزهار الجبل وثماره, وسائدٌ مُحاكة يدويا من الكورشيه في ليل الشتاء الطويل ومدفأة تستعر بالحطب. حين صرتُ جزءًا من الصورة، حين عرجت على هذا البيت الجبليّ القرويّ البسيط، لمست تلك الفلسفة ورأيت الروح التي تُحيّي تلك البيوت.

في صالون بيت القمر جسّدت السيدة ميراي بستاني المالكة والقائمة على التصميم والإدارة هذه النستولوجيا والحنين الجارف للماضي البسيط عبر تعليق بوسترات الأفلام القديمة خلف الأريكة الرئيسية, واختيار قطع أثاث من أسواق المستعمل لتعكس حياة البيوت القديمة, كما فرشت الأرض بسجاد الكليم اليدوي بنقوشه الهندسية الخالية من التعقيد وغرست المدفأة الحديدية في الحائط, لدرجة أنني شعرت للوهلة الأولى التي دخلت فيها الصالون أنني بضيافة فيروز في فيلم بنت الحارس, شعرت بصوتها يهدر من غرفة النوم وهي تغني ليارا الجدايلها شقر لتنام, كان ثمة تشابه بين روح المنزل حيث تم تصوير الفيلم وروح بيت القمر.

مقابل الصالون, تمتد منضدة الطعام في حجرة زجاجية شفافة, تتيح للزائر التواصل مع الجبل والغابة المنحدرة تحته بأشجارها الكثيفة, والاحساس بالفصول, أن زرت المنزل في الربيع فستمتلئ عينياك بالخُضرة وإن زرته بالخريف سترى ” ورقو الأصفر شهر أيلول خلف الشبابيك “.

بالإضافة للغابة, فالمنزل محاط بفناءٍ أخضر, مفروش بكراسٍ خشبية ملونة كامتدادٍ لألوان الصالون البهيجة, بعد تناول الطعام في مطعم ” طاولة ” جلسنا في الفناء لشرب القهوة, قُدّمت لنا الحلويات العربية المحضّرة في مطبخ البيت, الغريبة والمعمول المد والكرابيج.

 أما حجرات النوم المجهّزة للضيوف, فسمتها البساطة المطلقة والكفاف من الألوان والأثاث, شرفاتها معلّقة بين السماء والوادي, الوقوف فيها يجعلك ” انت والقمر جيران ” على حافةِ جبلٍ أخضر في دير القمر.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s