جزيرة بورانو : جزيرة الدانتيل

– بونجورنو

– بونجورنو سنيورا

– في هذا الصباح المشمس البديع, أريد الذهاب لجزيرة بورانو, ما هي أفضل طريقة لذلك؟

– ألورا سنيورا, بما أنكِ تنزلين في أجمل جناحٍ في فندقنا المتواضع, يسرّنا أن نحملك على متن المركب الخاص بالفندق إلى جزيرتيّ مورانو وبورانو بلا رسوم.

رسى المركب الخشبيّ الصقيل اللامع في إحدى المراسي الخشبيّة أمام بوابة الفندق, كان أقل من يخت وأفخم من مركب, بمقصورةٍ مسقوفة ذات ستائر عنابيّة وكنبٍ وثير مغطى بالجلد الفاخر, أخذنا في البدء إلى مورانو حيث يُصنع الزُجاج الأفخر في العالم وتزيّن مصابيحه وثرياته وكؤوسه ومراياته وتحفه أبدع القصور والمنازل حول العالم. ولكن الوجهة التي كنت أتحرّق للوصول إليها هي جزيرة الدانتيل, جزيرةُ بورانو.

          أنزلنا في ميناءٍ صغير جدا, يتناسب وحجم الجزيرة, مرصوفٌ بالطوب الرماديّ وتتراص عليه البيوتات الصغيرة الملوّنة كقطع الليغو, حمراء صفراء زرقاء زهرية وأرجوانية, لا يتجاوز ارفاع البيت الواحد منهم طابقيّن أو ثلاث كحدٍ أقصى, أمامها تمر القنوات المائية التي تُركن فيها مراكب السكّان, ومن شرفاتها تطل أوعية الأزهار, النساء في الجزيرة يشتغلّن في حياكة الدانتيل وتطريز الملاءات وخياطة فساتين الأطفال وقبعاتهم وأحذيتهم ومفارش أسرتهم.


          تنتشر محال الدانتيل بين بيوتها، كل محل تدخله ستجد فيه نساءً قد قضيّن أعمارهن معتكفاتٍ في محراب الجمال,  يحكّن خيوط الدانتيل وينقشن الأزهار في غرُزٍ خاصة على أطراف الملابس والمفارش ,ستجد عجوزا تصنع الدانتيل أمامك, تُسند القطعة التي تشتغلها على وسادةً في حضنها وتثبّتها بالدبابيس، حولها تتشبث القطع التي صنعتها بالحائط كمتحفٍ لذاكرةِ فنّها.

          في إحدى المتاجر/ الورش, طلبت من السيّدة أن تعلمني طريقة حياكته, جلست في مقعدها واحتضنت وسادتها, أمسكت بالإبرة وحاولت أن أتبع الرسم الذي أفرغته على القماش, كانت العملية دقيقة جدا, تتطلّب الكثير من الصبر والتركيز, الاشتغال على الجمال يستلزم الخشوع في محرابه, ابتعت منها فساتينًا طويلة بقبعاتٍ قماشية لطفلتايّ, مطرّزة بالدانتيل كيدها المطرّزة بتجاعيد الزمن, ومناديلٍ بالأحرف الأولى لأفراد عائلتي, وللصديقات شواهد قراءة مُحاكة بأحرف أسمائهن, وللمنزل العديد من أطقم المائدة, مفارشًا ومناديل بتطريزٍ أصفر للصيّف وأحمر للشتاء وزهريّ للربيع.

          ودّعتها وذهبت للغداء في مطعمٍ تلامس طاولاته حافة البحر, وتجوّلت في الجزيرة ترافقني متعة عبور الجسور الصغيرة, حيث الضفة الأخرى على بعد خطوتين وقفزة.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s