سيدي بوسعيد : النجمة الزهراء، قصر البارون ديرلانجي

المدينة العربية شيءٌ متفردٌ للغاية، يكمن هذا التفرد بقدرتها على ايقاظ أعظم المشاعر الغريبة التي تتعلق بالفن، وهي قادرة على ايقاظ الفضول، فضولٌ يخاطب العيون، وحينما يغدو جميلاً، على أتم الجمال، فإنه يحتفظ بشيء من الكمال العصي على الوصف.
جمالٌ يبزغ بمظهره الغرائبيّ، يتجلى ذلك بجده مظاهره وغرابة عاداته وأصالة نماذجه” *مقتبس بتصرف، عن المدينة العربية بنظر المستشرق فرومنتان

حكايات المستشرقين والخواجات في المدن العربية متشابهة، هم يأتونها إما سياسيين أو رسامين أو مستكشفين أو كتّاب باحثين عن جذوة الإلهام التي تشعل قرائحهم، ما إن يصلوا حتى يمسّهم سحرها يسكن قلوبهم، يستحوذ على أرواحهم، يلفّهم، يحبسهم في عشقها فلا يستطيعون منها فكاكًا، يذعنون لها، ويستوطنوها تاركين أوطانهم إليها.

رودلوف ديرلانجي، البرجوازي الفرنسي ذو الأصول الألمانية، وقع عليه ما وقع على سابقيه من المستشرقين، بعد علّةٍ ألمت بجسده، نصحه الأطباء بالسفر لمكانٍ هادئ، عليل الهواء قليل الزحام، فقصد سيدي بوسعيد ليستشفي بطيب هوائها ودفء شمسها ولكن روحه هذي التي تعافت على هذه الهضبة الساحرة، وامتزجت بطينها وبهائها وأرواح ساكنيها، أحب البلاد، وتطوّف في غيرها من البلدان العربية، ولكنه لم يجد في سِواها مثيلاً لها، فبنى عليها قصره الذي شيّده بعشر سنين وسكنه عشر سنينٍ أُخر قبل أن يُفارقه للحياة الأخرى.

ترك ديرلانجي خطى عائلته الثرية، وحاد عن طريق جمع المال والأعمال التجارية، لينفق عُمره وماله على الفنِ والتراث، أهتم بالموسيقى الشرقية والعربية، ألف فيها كتابًأ هو الأول من نوعه وجمع آلاتها النادرة والنفيسة ومخطوطاتها التي كادت أن تتلقفها يد الضياع، بعد افتتاح قصره وحدائقه، جعل منه مسرحًا للموسيقيين، وأقام به حفلات الغناء والتواشيح.

ليست الموسيقى وحسب هي ما أشغلت روحه، بل الرسم أيضًا، كان رسّامًا وجد في الألوان الدافئة للمدائن العربية محرّضًا لفرشاته، رسوم الوجوه في بورتريهات خالدة وترك المشاهد أكثر حياةً على القماش والورق، مرسمه ولوحاته وأدواته، كلها لا تزال شاهدة على ولعه في أحد أجنحة القصر.

زار ديرلانجي سيدي بوسعيد لأول مرة في العام 1910 وشرع ببناء قصره بعد ذلك بسنتين، ولم ينتهي منه إلا بعد مرور سنواتٍ عشر، بحلول العام 1922، إن بناء تحفةٍ فنية على هذا المستوى الرفيع لابد وأن يستغرق هذا الوقت كله، استعان ديرلانجي بالحرفيين من تونس والمغرب وتركيا، مزج في قاعات القصر وغرفاته فنونًا عدة، ما بين الطراز الأندلسي والمغاربيّ والتونسي والعثمانيّ والمملوكيّ، أحب فنون المشرق فأفرغها في قصره، الذي بدى حين أتمّ بنيانه كقصرٍ من حكايات ألف ليلة وليلة، حُملت سجاجيده من تركيا، وأثاثه المرصع بالصدف من دمشق، وبلاطه المزخرف من نابل، وأخشابه المحفورة من فاس، وإليه يُنسب الفضل بجعل الأبيض والأزرق حلّةً لسيدي بوسعيد وبيوتها وطرقاتها.

في العام 1989 باعته الوريثة للدولة التونسية، واشترطت أن لا يُمس ولا يُغلق، وأن يُحافظ عليه كإرثٍ ثقافيّ، يُفتتح للجمهور والمحبين، ويُحيي ذكرى ديرلانجي بالغناء والموسيقى عبر الأمسيات التي تقام فيه، اليوم ، كل قطعة في القصر من أثاثٍ وأسقفٍ وتُحف، لها أيدٍ خبيرة تحفّها بالعناية.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s