صَدَف

” بابا سوّلنا صالة جذي “

وأشير على الصالونات الدمشقية المفروشة بالأثاث الصدف في المسلسلات التي تدور أحداثها في البيئة الشامية القديمة, حيث استقبال النسوان والاجتماع لشرب القهوة والتخطيط للزيجات,  لطالما كنت مفتونة في طفولتي بتلك الجلسات, بتفاصيلها الدقيقة, طريقة ترتيب صواني الحلويات, وضع الفاكهة في البحرة, تقديم القهوة وسكبها والأثاث بطبيعة الحال.

كانت صمّاء, ألواح الخشب التي تستلقي بين يديّ الحرفيّ فيحفرها بالإزميل والشاكوش ويَملأ الفراغات التي كوّنها على شكل زخرفاتٍ نباتية أو هندسية بالصدف المصقول , تُسمى هذه العملية ” حفر وتنزيل ” ثم يؤطّر زخارفه بخيوط الفضة أو القصدير حسب “تئل الشغل” ومكانة الشاري, تُفصّل حسب الطلب, لقصر, لجهاز العريس أو لفرش المنزل الجديد.

كادت الصنعة تتدهور بعدما انتقل الجيل القديم من البيوت العربية الفسيحة إلى الرفيق الأعلى, والجيل الجديد إلى العمارات الاسمنتية المتلاصقة خارج دمشق القديمة, وفرشوها بالموبيليا الحديثة والعصرية, وتركوا ورائهم أطقم الصدف ” الدئة الأديمة ” لتتلقفها محال الأنتيك وتبيعها بأضعافٍ مضاعفة.

عندما بدأت تلك البيوت الدمشقية تتحول لفنادق بوتيكية ومطاعم فاخرة, أعادت احياء الصنعة, احتاجت لإعادة تأثيثها بقطعٍ تنسجم مع المكان وتعبر عن هويته, فزاد الطلب, وعندما يزور السياح هذه الأماكن يعجبون بها, أو يعود الجيل الذي كان جديدًا عندما خرج من قلب مدينته, يعود ويراها فيستذكر طفولته ومنزل جدته ويحن إلي الأمس المتمثل فيها, يرغب بتطعيم منزله بقطعةٍ أصيلة, فزاد الطلب وانتعشت الورش.

بالإضافة لإعادة استكشاف جماليات الفنون العربية بواسطة المصممين الذين دمجوا هذه القطع القديمة بقطع حديثة تبرز فرادتها واختلافها عما هو سائد ومتاح.

عندما بدأت بتأثيث منزلي, واجهت شحًا في المحلات التي توفر هذا الأثاث في الكويت, عدا المحل الذي ابتعت منه دولاب الموزاييك, كانت المحال التي تجلب القطع العربية سرعان ما تخسر وتغلق أبوابها أو تغير نشاطها, حيث توفرها بأسعار مرتفعة جدًا لفئة بسيطة قادرة على الشراء.

إلى أن عرفّتني صديقتي على السيّد نبيل, التاجر الدمشقي الذي يجيء بكنوز محله من سوق الحميديّة ويعرضها في الكويت لمرتين أو ثلاث سنويا خلال المعارض الموسمية, فكان ذلك بمثابة أن فُتحت لي طاقة القدر!

على مدار سنوات, ترددت عليه تحيّننا للقطع المميزة التي تجيء في كل بضاعةٍ جديدة, أو أحياناً, للتمتع بالجمال فقط كما أفعل عندما أتردد على محال الأثاث المفضّلة, عندما افتتح محلّه الكبير في الكويت, وملأه بالدواليب والمرايا والكراسي والطاولات والسكمجيات, قلت له ” ماشاء الله , شو, جايب دمشق كلها معك “

One thought on “صَدَف

  1. السلام عليكم يا صاحبة القلب الساحر
    عيدك مبارك و كل عام و انتي بخير
    اولا انا اموت على تصويرك و كتاباتك الخلابة
    (لكني معجبة خجولة )
    اول مرة اكلمك
    ممكن اسال شنو اسم المحل ☺️
    و اتمنى لك دوام الصحة و العافية و السعادة يارب مع عائلتك الكريمة

    Like

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s