عايدة النجار وبنات عمّان : تقصي المدينة عبر كتابين

          الأدب يمنحنا فرصة السفر إلى المدن عبر الزمن, يرينا وجهها المنسيّ الأصيل قبل أن تدب فيها الحداثة ويتبدل الناس وتُردم الهوية.

          في أحد الأيّام التي قضيتها في عمّان, خضتُ تجربة متعبة ومسليّة في الوقت ذاته, جرّبت أن أرى عمّان بصحبة الكاتبة ” عايدة النجّار ” عبر كتابها ” بنات عمّان ” الذي ابتعته من المكتبة الأهلية في وسط البلد.

          جربت السفر بصحبة ذاكرتها التي سُردت في صفحاته, روت لي تاريخ المدينةِ الخفيّ وصحبتني في التيه والتسكّع, تتبّعت أسماء الشوارع التي ذكرتها وإن تبدّلت والبيوت وإن هُجرت والطرق التي تغزّلت بجمالها في الخمسينيات وإن أهملت وهرمت.

          خصصت نهارًا بأكمله لتلبّس طفولة عايدة النجار وصباها, طريقها الذي سلكته للمدرسة ووصفها للأمكنة التي تمرّ عليها والدكاكين التي تقف عندها والبيوت التي عُرفت بأسماء ساكنيها, كنت في العام 2015, ولكن أرى عمّان بعيون عايدة في الخمسينيّات.

           فكرة الكتاب ” بنات عمّان , ذاكرة المدرسة والطريق ” تتلخص في سرد الحياة في الخمسينيات عبر استرجاع ذكريات البنات ومناسباتهن وعاداتهن وملابسهن والشكل الذي تبدو عليه المدينة حين ذاك, والتي كانت حديثة بطرقاتها وبيوتها وتمدّنها.

          وفكرتي كانت حمل الكتاب والنزول به إلى بيت خليل شقير في شارع خرفان حيث تحوّل البيت التراثيّ بكامل جمالياته إلى مدرسة أروى بنت الحارث التي درست فيها عايدة المرحلة الإعدادية, وقفت حيث وقفت وحيث وصفت بلاطاته وأبوابه وشبابيكه ذات الزجاج الملوّن وأرضياته الفسيّفسائية, تحوّل البيت الآن لمركزٍ للفنون.

          أخذتني عايدة إلى حيٍّ ما كنت لأصله لولا تتبع ذاكرتها, ولكن للأسف, كانت البيوت الحجرية الجميلة المتلاصقة التي وصفتها بجانب بيت شقير, قد هُجرت وتحوّل الشارع الأرستقراطيّ في زماناته إلى حيٍّ مهجور, لم تشفع له الاطلالة الرائعة التي تنبسط أمام بيوته والجمال الذي لا يزال يغشاها بالرغم من صنائع الزمن.

          حملت الكتاب بعدها ومشيت على الطريق الذي وصفته إلى مدرسة زين الشرف الثانوية, حيث أكملت تعليمها هناك, مررت بالكلية العلمية الإسلامية وبقايا البساتين التي كانت بساتينّا حين ذاك والدوائر الحكومية التي أصبحت تحيط بالمكان.

          عندما وقفت أمام باب المدرسة, أحسست بغباء موقفي لوهلة, كان يومًا دراسيّا عاديّا, الطالبات والمعلّمات بالداخل, وأنا المتطفّلة الغريبة أعبر الساحة باتجاه الأقواس المتشابكة التي ذكرتها عايدة في واجهة البناء, ضحكت في سري وأكملت التجوّل في الممرات, استوقفتني أحدى المعلمات وسائلتني إن كنت أحتاج للمساعدة, فأجبت أنني قرأت عن المدرسة في كتابٍ ما وأريد رؤيتها فقط, فرحت وبشّرت زميلاتها ” بتقول كاتبين عن مدرستنا , بالله شو كاتبين احكي!

          ما نسيت ذكره, بأن تلك التجربة كانت في ظهيرةٍ مشمسة من أيام الصيف التي لا ترحم, وأن الشوارع التي مشيتها تتبّعًا لفصول الكتاب كانت صعودًا على جبل عمّان, وكنت حبلى, احمل طفلتي في الشهر السادس, لذلك اضطررت أن أختم جولتي في بيت ” فوزي الملقّي ” رئيس وزراء الأردن بين عاميّ 1953- 1954 والذي كانت تمر عليّه الطالبة عايدة النجّار في طريقها لثانوية زين العابدين, وقد صار حين بلغته وتناولت الغداء فيه مطعم فخر الدين .

          أرهقت, وتهت وسألت ومشيت, ولكن, رأيت عمّان بأجمل طريقةٍ ممكنة, عمّان الفتيّة, في بداية تكوينها وتخلّقها, لمست طفولتها مع طفولة عايدة, وشباباها وصباها, وإن كانت قد كبرت, كبرت خمسين عامًا أو يزيد.

بعدها بسنتيّن، عندما عدت لعمّان، كانت عايدة قد أصدرت كتابها الثاني في استذكار المدينة ” عمان بين الغزل والعمل ” الكتاب الذي تكتب فيه المدينة اليوم، تستكمل الذاكرة التي توقفت عن سردها في الكتاب الأول، تحمل كامرة وترصد تحولات المكان، حملت الكتاب معي، ورحت مثلما فعلت قبل سنتين، أتتبع المدينة مرةً أخرى كما تعيد عايدة النجار روايتها.

في مقدمة كتابها ” عمان بين الغزل والعمل ” فقرة أحب أن اقتبسها لكم :

” قصص الناس ومذكراتهم والمشاهدات تحمل صفة الإنسانية ، فهي التي تصور بشكل مباشر المدينة أو المكان الذي يتفاعل وينمو به الإنسان، بالإضافة إلى ذلك تحكي واقع المعيشة اليومية للناس، بما فيها من حياة وحركة ومشاعر وآمال وأحلام.

أعود لعمّان اليوم بسعادة لأتحسس التحولات لذلك الواقع الذي تشكّل بفعل أجيال عاشت في عمان منذ الستينيات، أعود بحنين لحقبة تاريخية مكملة لحقباتٍ زمنية مضت، فيها ذاكرة المكان والإنسان الذي صنعه، رحلتي تبدأ حيث تركت خطى الماضي أقلّب أكثر من نصف قرن من الزمن، أمشي في الأمكنة التي أصبحت عمّان القديمة، التي عرفتها ولم أعرفها، أتسلق الأدراج من وسط البلد وأنا أبحث عن نفسي بين القاع والجبال أدخل الدور النائمة والمستيقظة والمكحّلة عينها بنور الصباح وأصوات من يحكي القصص القدامى للأحفاد، وأتوسع لأصل الجبل والجر والفضاء الأوسع في عمان مترامية الأطراف، المتمددة على التلال السبع المفتوحة على الجهات الأربع لتشكل المدينة العصرية .

إن الكتابين، بنات عمان وعمان بين الغزل والعمل، عبارة عن شهادة على التاريخ وعلى المدينة، إن نويتم زيارتها ذات يوم، فلتبدأ زيارتكم بقراءتهما.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s