عمّان : حين تشرق شمس البلد

على امتداد شارع الرينبو والشوارع الموازية له من الخلف والأمام, تتناثر البيوت العمّانية على السفح الغربيّ لجبل عمّان, مثل بيت الأرميني سيروب أنتيكجيان الذي تحوّل لمطعم سفرة بجنيّنته الغنّاءة وفناءه الرحيب وبيت الريحاني الذي صار مقهى الحكواتي. وغيرها من البيوت التي غادرها أصحابها هربًا من ضجيج الشارع الذي صار الوجهة التجارية المحببة لأغلب الناس بمقاهيه ودكاكينه, في الشوارع التي تتفرع منه وتبدو أكثر هدوءًا لا يزال السكّان في بيوتهم الأنيقة.

          كل صباح, حين تشرق الشمس الدافئة على جبل عمّان, تتلقّف أشعتها بيوت عائلة ملحس, العائلة التي وفدت على عمّان من نابلس حاملين معهم تجارتهم, استوطنت العائلة ابتداءً وسط البلد, وحيث أن وسط البلد يتحدّر بين تلال عمان وجبالها, فكان السيّل يغمره كلما ذاب ثلج الشتاء, ويغمر معه دكانة عبدالوهاب ملحس بما فيها, دعاه ذلك إلى الاتجاه نحو مطلع الجبل, وبناء بيته ودكانته على علوّ, وسط استغراب الناس من مغامرته. ” اشترى أرضًا كبيرة وعمّرها حيث لا عمار ولا عمران, وشق دربًا للبغال تحمل عليه الماء والحجارة لبناء الدار ” تقول ابنته ثريا ملحس ذلك في معرض حديثها عن ذكرياتها.

          وتوالت الدور, وصعد الناس, وعُمّر جبل عمان, مُدت الكهرباء ووصل الماء, ونشأ الحيّ وتمدد العمران, البيت الذي بُني في بداية العشرينيات لم يعد يكفي العائلة, وعلى مدار ثلاثين سنة إلى أواسط الخمسينيات, كانت العائلة تزيد من دورها حول البيت الأول, النواة, وبنت آخر, حديثٌ ببلاطٍ وحجر وأدراجٍ وبحرةٍ وجدرانٍ سميكة, بيوتٌ ثلاث, تُطالع بوجوهها انحدار الجبل نحو وسط البلد, حيث جاء سيّدها الأول, وتتلقّف كل صباح, شمس عمّان الدافئة وهي تشرق, فصارت تلك البيوت بعد أن انتشلها المهندس حازم ملحس من الهجر والنسيان ” مقهى شمس البلد “.

          أحيا حجارتها ورمم فيها ذاكرة عائلته, سقى ياسمينتها لتزهر من جديد واستصلح حديقتها, زرعها بالأعشاب العطرية التي تمنح المكان رائحته وتنكّه الاطباق المقدّمة على طاولاته, عطّر كاسات الشاي بالنعناع والمرمية والمليسه واستعان بطهاةٍ أردنين يقدّمون نكهة الأرض للزبائن, حيث بوصلة الأطباق المقدّمة هي المواسم ومواعيد قطف الخضار, تحضّر طازجةً صحيّة وفقًا لمذاقها الأصيل في الماضي, يقول ” الاكل بيعبر عن الهوية كل ما تربينا عليه وكبرت منو كتافنا , بدنا نقدموا لزباينا “.

          جلستُ تحت شجرةٍ معمّرة, أطل معها على الطريق الذي شُق قبل تسعين عامًا لجلب حجارة هذا البيت, شربت الشاي المعطر بالمراميّة المقطوفة من حديقته, بجانب البرازق المغطاة بحبات السمسم, طلبت بيتزا بشرائح الباذنجان وأوراق الزعتر البريّ, وطبق الحمص العضوي الذي يشتهر به مطبخ شمس البلد, نزلت بعدها للدكانه التي تبيع طيّبات الأرض وحصاد المزارعين وقطرميزات الجبنة النابلسيّة واللبنة البلديّة والزيتون الأخضر, تجوّلت في المعرض الفنيّ الذي يبيع المشغولات الشبابيّة اليدوية في صالون البيت, وصعدت للمكتبة.

معرض فني كان يقام في البيت عندما زرته في مرة لاحقة :

أرضيات البلاط البلدي المختلفة في دور البيوت الثلاثة

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s