عمّان : ديوان الدوق ممدوح بشارات

بدأت عمّان تتحول من طور القرية إلى المدينة في العشرينيات, من البيوت البسيطة إلى الأبنية الفارهة, في ذلك الزمن, بنى السيد عبد الرحمن باشا ماضي بناءً حديثًا من طابقيّن تطاول فوق بيوت وأبنية الطابق الواحد في وسط البلد, بناه بقناطرٍ كبيرةٍ ملوّنة, وشرفةٍ واسعة, وأبوابٍ خشبيّةٍ مطلية بالأزرق الفاتح وأسقفٍ مرتفعة, وأرضٍ مبلّطةٍ كرقعة الشطرنج بالأبيض والأسود. استأجرته حكومة امارة شرق الأردن لخدمات البريد, ثم تحوّل لفندق حيفا, حتى استأجره السيد ممدوح بشارات في عام 2001 ليجعل منه متحفًا شاهدًا على شكل الحياة الأولى في وسط البلد.

          رممه ترميمًا بسيطًا لا يغبش روحه ولا يحجبها, مسح الغبار عن أثاثه الخشبيّ العتيق, لمّع ثرياته النحاسية, ترك تجاعيد الزمن على طلاء جدرانه وملأه بقطعٍ تستذكر وجه عمّان القديم, من صورٍ ولوّحاتٍ وكتب وأوانٍ ودُمى, حتى إذا ما دخله أحدٌ من أهل المدينة, وجد فيه بضعًا من عمره.

          أراد الدوق – لقبٌ منحه إياه الملك حسين لجهوده الثقافية – أن يحمي تراث مدينته التي عشقها من معاول الهدم, التي تُهبّط أحجار المباني القديمة في سبيل التطاول بالعمارات والاسمنت والتكاثر بالشقق والمحلات, أراد أن يحيط بذراعيّه الحانية, هذا المبنى الذي كُتب على مدخله ” أقدم مبنى في وسط البلد ” .

          ” أسميّته ديوانًا, لأن الديوان هو المكان المفتوح لكل الناس, وأنا أسعد إذ تأتي الأفواج يوميًا للاطلاع عليه, والتعرّف على نمط الحياة في عمّان عبر مقتنياته

          صعدت الدرجات الثمانية والعشرين للطابق الأول من المبنى, وهو الطابق الذي يستأجره الدوق لديوانه, استقبلني الصالون كحجرة من حجرات السماء كما تشعرك جدرانه المطلية بالأزرق والشمس التي تشّع بين جنباته عبر الشبابيك الشاسعة والكنب الوثير كغيّمة, كل قطعةٍ في المكان تنتمي لزمن, بدى وكأنه لوحةٌ فسيّفسائية لذاكرة المدينة.

          في زيارةٍ لاحقة لعمّان, زرت الديوان في المساء, كان ثمة عازفٍ يعزف على جيتاره لحنًا شجيّ, ووفدٌ سياحيّ صغير يلتقط الصور, وفنانٌ مستغرقٌ برسم مشهدٍ للمكان, وكان وياللحظ الوفير الدوق ممدوح بشارات متواجدًا في المكان, تبادلت معه حديثًا طويلا عن شغفه بالتراث والسفر والبيوت والعمران, وفي الختام قال لي: ” بدك كنافة؟ تعي .. “

وأخذني معه إلى البلكون, أنزل صينيّته المربوطة بحبلٍ طويل إلى دكانة ” كنافة حبيبة ” التي تقع تحته وصاح على العامل الذي جاء راكضًا بقطعةٍ ساخنة وطازجة تفيض باللذة, سحب الدوق صينيّته على طريقة بطلة أفلام الأبيض وإسود وقدم لي الطبق.

           بالرغم من كبر سنه ومقداره, إلا أنه أولاني كل الاهتمام عندما لمس فيّ الرغبة بالتعرّف على المكان أكثر, كل سؤالٍ أطرحه يستفيض بالإجابة عليه دون تملل أو اختصار.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s