كابري : جزيرة منذورة للحب

المدن والجزر والموانئ على ضفاف البحر الأبيض المتوسط تشترك بالدفء والحميميّة والرحابة, ما زرت إحداها إلا وغمرني الاحساس ذاته.

          كان نهارًا مشمسًا ربيعيّا, تكتنز بعض الغيّمات القطنيّة في سماءه كان منظر المدى الذي يتعانق فيه الأزرقان وتعبره النوارس جميلٌ إلى حد استحالة وصفه, قصدنا ميناء نابولي مع فوّجٍ كبيرٍ من السيّاح, وأبحرنا منه على متن المركب السريع نحو كابري.

          أبحر بنا مزدحمًا بالعابرين, بحقائب السفر والوجوه وقبعات القش الكبيرة, يمرّ بالجزر الصخرية الصغيرة المتناثرة والتي ملّت عدسات الكامرات وفضول السائحين وأصابع الأطفال التي تشير إليها بذهول, يبحر مسرعًا تتحاشاه القوارب الشراعية الصغيرة واليخوت الخشبيّة الأنيقة, وتقف الفتيات في ناصيته مسلّماتٍ أطراف فساتينهن وشعورهن لتطايرها الريح.

          من الرائع أن ترى كابري كيف تبدو من بعيد، أن تراها على متن البحر، استقبلتنا زوارق الصيّادين يُراقصها الموج في الميناء, وجبالٌ حجريّة في مقدّمتها بيوتٌ ملوّنة وفنادقٌ ومتاجرٌ ومقاهٍ وأفران البيتزا. للميناءِ عدّة مسنّات, بعضها للقدوم والآخر للرحيل, في إحداها, رست المحروسة, السفينة القصر, كانت قصرًا ملكيًا عائما, رست هنا لآخر مرة في عالم 1951 حاملةً فاروق وعروسه الجديدة ناريمان في شهر العسل, حاولت أن ألوّح لهما, أن أتبعهما إلى فندق القيصر أغسطس حيث يحجز الملك جناحًا على مدار العام, سُميّ إلى يومنا هذا باسمه وينزل فيه صيّفا فقط, ولكن الحاشية والمصورين والحرّاس والزمن حالوا بيني وبين مبتغاي.          

          تبدأ كابري بتسلّق الجبل من نقطة ملامستها للماء, تزحف من الميناء إلى سفحه, بطريقٍ رئيسيّ وطرقٍ ضيّقة تتفرع منه وتتعرّج, كلعبة المتاهة, يتوه السائر بداخلها. تصطف البيوت الصغيرة بعضها بجانب بعض, تزاحِم أشجار البرتقال والياسمين والليمون والجهنميّة الشبابيك والأبواب, القبعات, الأوشحة الحقائب والفساتين, كلها تلوّح لك, تحييك على طريقتها الخاصة, تراقص الريح أمامك لتستوقفك في مشهدٍ يرافقك على امتداد طرقات الجزيرة.

          استأجرنا تاكسي كابري المكشوف الشهير, سيّارة كلاسيكية أزيل سقفها واستبدل بمظلّةٍ زهرية, كُتب عليها لجذب السيّاح ” حبيبتي ” بأحرفٍ عربية. صعدت فينا الجبل, أخذتنا مُسرعةً كآلةٍ سحريّةٍ نحوّ الغيوم, وطلبت من سائقها أن ينزلنا لزيارة الكاتب أكسيل مونتي .

          فتىً سويسريًّا في الثامنة عشر من عمره, أخذته الدنيا إلى كابري, فعشقها, تمنى لو أن يستطيع شراء منزلٍ فيها بجانب كنيسة سان ميشيل, وضع رأسه ونام على الأمنية, فحلم برجلٍ يخبره بأنه لو أراد ذلك بصدق, فسيكون هذا المكان مكانه. درس الطب وسافر وعمل بالمهنة في مدائن أوربيةٍ شتى, ولكنه عاد ليبحث عن أمنيته, ابتاع الأرض بجانب الكنيسة على تلةٍ مرتفعةٍ وبنى فيلته, الفيلا تحوّلت بناءً على وصيّته لمتحف, ترصد أدوات العيش في زمنه, وتشهد أجمل إطلالةٍ في الجزيرة, منها كتب روايته ” قصة سان ميشيل “.

          في طريق عودتنا, مرّ بنا بابلو نيرودا, الشاعر التشيليّ الذي نُفيّ إلى إيطاليا واختار كابري وعثر فيها على حبيبته ماتيلدا, كانت متشبثةً بذراعه, ترتدي ثوب زفافها الأخضر وفي اصبعها خاتم الخطوبة التي نقش لها الشاعر بداخله ” كابري والقبطان ” وهو عنوان ديوانه الذي كتبه بوحيّ من حُبها, ومن وحي تلك الإقامة كتب انطونيو سكارميتا رائعته ” ساعي بريد نيرودا ” والتي تحوّلت لفيلم لا تفوتوا مشاهدته قبل زيارةِ الجنوب الإيطاليّ.

          في كابري, وفي الجزر المتوسطيّة, لا عجب أن ترى الحب وأساطيره بكثافة, فالحب هنا لا يبحث عن مكانٍ ليلوذ به, كل شجرة تلقي بأزهارها على الطريق تصلح سقفًا للعناق, كل طاولةٍ خشبيّةٍ بكرسييّن متقابليّن تصلح لنظراتٍ تذوب عشقًا, وكل نافذة يستند على شبّاكها أصيصٌ يفيض بالأزهار, قادرة على حفظ أسرار الحب وعهوده.

          لم تكن في كابري أبنيةٌ فاخرة ولا قصورٌ فارهة ولا أعاجيبٌ ولا غرائب, إن كانت المدن تجتهد لتجميل نفسها, فالجزر تكتفي بما حباها الله من الوداعة والبساطة.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s