عائلتان من بوسيتانو ومذاق بهجة الليمون

إن صرّحت برغبتك في زيارة الساحل الأمالفي ونصحك أحدهم بحجز غرفتك على الفوّر لا تتجاهل نصيحته, وإن كان موعد سفرك سيحل بعد شهريّن!

          هذه البقعة الوادعة من العالم نجت من سطوة سلاسل الفنادق العالمية الكبرى, والابنية الضخمة ذات المئة مئة غرفةٍ مستنسخةٍ مكرر, كل خيارات الإقامة المتوفرّة في مُدنها عبارة عن فنادق بوتيكيّة صغيرة أو بيوت ضيافةٍ عائليّة, مما يجعلها ممتلئة على الدوام.

          ولأنني لم استشر أحدًا قبل سفري, بدأت بالبحث عن جناحٍ للإقامة في بوسيتانو يسع خمسة أشخاص لمدة أربعة ليالٍ بينما أستلقي على سريري في نابولي في اليوم الذي سبق موعد انتقالنا إليّها! وكان الجواب الذي يعطيني إياه تطبيق حجز الفنادق على كل الخيارات التي كنت قد حفظتها وفضّلتها من قبل ” نفدت الغرف “.

          دفعني ذلك للحجز في منزل عائلةٍ محليّة, لا يستوفي المعايير الفنية العالية التي كنت أحلم بالتمتع بها ولكنه يستوفي الشرط الأهم: الإطلالة الخلّابة على بيوت المدينة التي تتسلق الجبل عن اليسار, والبحر ومداه الواسع عن اليمين. استضافتنا العائلة بحفاوة, كان البيت يُدار من الابن الوسيم المستعد لتقديم أي خدمة في أي لحظة والأم والخالة والجدّة, عند المدخل, شجرة ليمون أزهرت ولم تثمر بعد, تنشر أريجها المنعش في الأرجاء, ودرجٌ مبلّط بسيراميك بوسيتانو الملوّن.

في الصباح كانت السيّدات يتعاوّن في اعداد الفطور, القهوة والحليب الساخن وأقراص البيض, يجهزّن الزيتون والأجبان بينما يذهب الشاب لشراء الخبز والكرواسون من متجر البِقالة القريب, نجالسهم كعائلةٍ واحدة, في صالة الطعام العلويّة التي تحظى بالإطلالة الأوسع والأجمل, أحببت العلاقة التي نشأت بين السيّدات وأطفالي, والكلمات الإيطالية التي تعلّموها منهن وراحوا يخاطبون بها كل أحمرٍ وأشقر يمر عليهم في الطريق.

          في المساء عندما أردنا الخروج للتنزّه أشارت إحداهن على مطعمٍ في طريق النزول, وقالت بأنه يُدار من قبل أقربائهم, يطهو في مطبخه الوالدان بينما يشرف الأبناء والجد على خدمة الطاولات والزبائن, نصحتنا بتناول العشاء هناك ووعدتنا بالحصول على خصمٍ مميز إن أخبرناهم بأننا نسكن في ” فلوريدا ريزيدينس “.

          وبذلك, خرجنا من ضيافة عائلةٍ محليّة لتستضيفنا أخرى, كان المطعم في الطابق الأرضيّ من المنزل الذي يقطنونه, حوّلوا نصفه إلى مطبخ والنصف الآخر إلى طاولاتٍ وكراسٍ, ولكننا اخترنا الجلوس في الطاولات الخارجية على كتف الطريق, المضاءة بالشموع والمزيّنة بسلال الليمون, لم يكن من السهل تمييز العاملين اذ كانوا يرتدون ملابسًا أشبه بملابس السيّاح ويتبادلون الحديث مع كل الجالسين, لم يتقيّدوا بزيٍّ معيّن أو بروتوكولات النُدل, كانوا على سجيّتهم, كمن يستقبل ضيفا حميما في منزله, يشيرون عليه بالأطباق بعد سؤاله عن ذوقه في الطعام, ويشرحون له المكوّنات.

          بعد تناول الوجبة سألني الإبن إن كنت أريد كعكًا فشكرته, فقال بثقة ” هل قمتي بتجربة ديليزيا ألاموني؟ نحن أفضل من يعدها في بوسيتانو, ستشعرين بالسعادة من اللقمة الأولى, اسمها يعني بهجة الليمون, أو الليمون الذي يجعلك تضحك, وهي فعلا تثير البهجة, جربيها سنيورا جربيها ” أعجبت ببشاشته واعتداده بالطعام الذي تعده والدته في المطعم العائليّ وطلبتها.

          ديليزيا ألاموني بهجة الليمون, الكعكة الهشّة الصغيرة المحشوّة بكريما الليمون والسكّر والمغلفة بها, بعد أن تتذوّقها, سنتعش وتبتسم كلما تذكرت المذاق.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s