أين أسكن؟ : مشروع ضيف لبنان

أين أسكن؟ هذا هو أهم سؤال أطرحه على نفسي في كل سفر، ليس من حيث الميزانية أو الموقع أو الرفاهية كما يفعل السوَّاح عادةً. بل من حيث روح المكان والاحساس الذي يمنحني إياه, لأن الفندق الذي تسكنه يوماً او يومين، سيكون عنوانُ قلبك الابدي في تلك المدينة، بيتك في الذاكرة ومنزلك الناضح بالحنين, أحيانا, يكون الفندق هو هدفي من زيارة مدينةٍ ما, أشد رحلي فقط لتجربة السكن في بيتٍ عثرت عليه بالصدفة حين البحث عن معلومة أو تصفح مجلة.

بالنسبة لي, لن أغادر منزلي لأسكن منزلا أقل منه، أو غرفةً تُشبه ملايين الغُرف في الفنادق حول العالم، ما أبحث عنه وأتوق إليه هو الفندق الذي يجسّد مدينته, يشبه بيوتها مبينيٌّ من طينها ويحاكي حياة أناسها. الإقامة التي تكون جزءًا من مسرّات السفر.

 الفنادق التي تجسد هذه الفكرة تُسمى ” بوتيك هوتيل ” حيث يتحول منزلٌ قديم أو قصرٌ مهجور أو خان أو مكتبة لفندقٍ رائع ببضعِ طوابق وعدة غرف, يُرمم ويجهزّ بشكلٍ يتسق مع بيئة البلد ويعبر عن تاريخه, يحاكي معيشة سكانه ونمط حياتهم، تسكنه فتشعر بأنك تخطو بداخل التاريخ بمجرد أن تخطو خطوتك الأولى بداخله, أو قد يكون فندقًا بالأصل, ولكنه تعتّق بمرور الزمن, فأصبح شاهداً من شواهد اليوم على تاريخ المدينة, لم يغيّر تصميمه ولم يمحُ من وجهه ملامح الرُحّل الأولين.

كما أن ثمة أماكن إقامة أخرى تهبك هذا الإحساس بجرعةٍ أكثف, فالفنادق البوتيكية هي فنادق بالنهاية, صحيح أنها تقتبس السمات المعمارية للمدينة, وتمتّع العين بفنونها وتفاصيل تأثيثها, إلا أنها مُدارة من قبل شركات وتخضع لمعايير عالمية وبروتوكولات فندقية, أما النوع الآخر وهو ” بيوت الضيافة ” فأنت فيها ضيفٌ حقيقي في منزلٍ لسكّان البلد, منزل يُدار عائلياً, قد تسكنه العائلة المالكة وتخصص بعضا من حجراته للنزلاء, أو تسكن منزلاً آخر ولكنها تقوم على خدمة الضيوف ومتابعتهم بكل سرورٍ وحفاوة, وتستخدم عاملين أو ثلاث من السكان المحليين للمساعدة أو الانابة حين الغياب, تفضل, خذ راحتك, تصرف كما لو كنت في منزلك, ان احتجت أمرا أنا هنا في الغرفة المجاورة, كلها كلمات تفيض بالترحاب ستسمعها من  أهل البيت طالما أنت في ضيافتهم.

          هذه البيوت بعضها مخصص للمبيت والافطار فقط, بعضها تصنف كبيوت شباب وبعضها بغرف ذات أسرة مشتركة مع نزلاء آخرين للمسافرين بميزانية قليلة أو الباحثين عن الاختلاط مع السيّاح, بالطبع هذه الأنواع منها غير مناسبة للأسر, وللذين يبحثون عن الانغماس في جماليات الأثاث والديكور أمثالي.

          عند اختيار السكن في أحد بيوت الضيافة أحرص على انتقاء البيوت التي أثثها أصحابها بحسٍ فنيٍّ عال, والتي يقومون على ادارتها بأنفسهم لأنك في حضرتهم ستشعر بكونك أحد أفراد العائلة, سيصحبك الأب لمعالم المدينة بسيارته, تعد لك الأم الإفطار بالصباح بينما تقوم الابنة بمتابعة الأمور الإدارية.

          في لُبنان تحديدا، لم يكن ذلك السؤال – أين أسكن – ليؤرقني، فمشروع ” ضيف لبنان ” الذي أسسه السيد أورفيه حداد يفتح لك أبواب الإقامة في البيوت اللبنانية الحقيقية في أغلب المدن والضواحي والقرى التي قد تؤشّر عليها في الخارطة وتدخلها في خط سيرك.
          المشروع يقوم على استضافة السيّاح من قبل أفراد وأسر لبنانية سواء في منزل جبلي أو شقة بيروتية أو بيتٌ ساحليّ, أينما وضع السائح قدمه في لبنان وجد من يقول له من أهل البد أهلا وسهلا, فيك تتفضل.

أورفيه الذي حُرم من وطنه في سنوات حياته الأولى, يقول بأنه لم يره على حقيقته إلا بانجلاء غمة الحرب الأهلية, واستعادة الوطن من بين متاريس الأسلحة والمقاتلين, عندما بلغ عامه السادس عشر أزيلت الحواجز عن الطرقات وبدأ بالتجوال في لبنان ومدنه, استقراء خارطته والتعرّف على ثقافاته المتنوعة, أحب هذا الثراء الاجتماعيّ, الاختلاف في طرائق العيش والاجتماع تحت ظل شجرة الأرز, وحمل في قلبه شغف تعريف الآخرين بهذا التنوّع الجغرافي والاجتماعي في لبنان, فكان المشروع, ضيف لبنان.

من خلال زياراتي المتكررة لهذا البلد الجميل, كنت ضيفة في ست بيوت ضيافة تابعة للمشروع, بيت البترون, بيت دوما, بيت القمر، بيت هنري مون، بيت طاولة ودار كاميليا, البيوت التي أضفتها لقائمة منازلي حول العالم.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s