بعلبك : بالميرا الفندق الذي يمر عبره تاريخ المدينة

” بتروح كثير, بتغيب كثير, وبترجع ع دراج بعلبك “

وفعلا, رجعت كما تنبأت لي فيروز في اغنيتها الجميلة لأقف ع دراج بعلبك من جديد. في زيارتي الأولى لها عام 2010 زرتها كما يزورها السائح الذي يحمل روشتة السياحة الجاهزة, قضيت الطريق البعيد إليها نائمة, نزلت مع عمي وأبناء عمومتي لالتقاط الصور في القلعة الأثرية, والتعجب من ضخامة حجارتها وصعوبة بناءها وصدّقت أسطورة أن الجن ساعدت الرومان حين نصب عواميدها وتشييد معبدها. تناولنا فيها الغداء وعدنا إلى بيروت.

أما في المرة الثانية, وبعد سبع سنوات, زرتها كما يزورها المريد للقياها والعارف بأسرارها.

ع وين اليوم طالعين؟ ” على بعلبك. عندما أخبرت السائق عن الوجهة أخبرني بأنه قد أخذ سائحتين أستراليتين قبل ثلاثة أسابيع لقضاء ليلة في بعلبك, فسمعوا صوت القصف البعيد قادما من صوب الحدود, عندما استفاقتا في الصباح, سألتاه إن كان ثمة مهرجان أو احتفالٌ ما, لأن ضجيج الألعاب النارية أيقضهم مرتيّن!

          شكرته على المعلومة, ابتلعت ريقي ابتسمت لزوجي وطلبت منه المضي في الطريق. قطع فينا صحراءً جرداء, يسكنها قليلٌ من الرعاة والبدو, ينصبون خيامهم أمام البيوت الصغيرة, بالكاد تكون مبنيّة من الطوب, أطفالهم يسرحون بالماعز والخواريف تحت حراسة كلبٍ أو اثنين, أطفالٌ شُعث, يتمتعون بالحرية والمدى والرمل والسماء, تغزل النساء بيوت الشعر, ويصنعن الجبن والإقط.

          ما كنت أظن بأن ثمة صحراءٌ في لبنان الأخضر الحلو, سألت السائق عن وضع هؤلاء فأخبرني بأنهم لبنانيون, يحملون الجنسية وسمرة الشمس ولا يغادرون ديارهم حتى في صقيع الشتاء, ويحتفظون بالسلاح لحماية انفسهم ليلا من الذئاب. كان الطريق موحشًا إذ قطعناه نهارًا, وعدد السيارات التي مرّت بجانبنا لم يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة, ينبسط بين رمالٍ يميل لونها للحمرة, ويلتف حول جبالٍ حجرية لا شجر فيها ولا بشر, إلا بعض الثكنات المتفرقة للجيش اللبناني لحراسة المنطقة الشاسعة.

          عبرنا بعدها سهل البقاع, حقول البطاطس والتبغ, وبساتين العنب الأسود ومخيمات اللاجئين, كان المنظر الذي رأيته مرارا في نشرات الأخبار وصور الجرائد, المنظر الذي ظننته بعيدًا جدا, أقرب مما تصوّرت, وأكثر بؤسًا مما يُحكى عنه. ” هيدا جبل الظهر الأحمر, هيك بنسميه, خلف منو سورّيا ” كان الجبل مهيبًا, يحجب ما وراءه, بتربته الحمراء التي أعطته اسمه.

          وصلنا بعلبك, مدينة الشمس وبوابة لبنان الشرقيّة, وصلناها كما وصلها الرومان والبيزنطيين والأمويين والعباسيين والفاطميين والعثمانيين والفرنسيين, وصلناها ووقعنا تحت تأثير سحرها كما وقعوا من قبلنا هم.

          في تاريخها المعاصر كانت تستقبل القادمين إلى لبنان من دمشق واسطنبول وحلب، كانت ممرا للفن والتجارة والارتحال، ومعبرًا من معابر قطار الحجاز الممتد من اسطنبول إلى يثرب, عندما تمر اليوم بمحطته القديمة, لن ترى إلا آثار سكك الحديد تطمرها الرمال, وبقايا المحطة توصد أبوابها في وجه الزمن, كما حل في محطة طرابلس, بعلبك مدينة الشمس كما اسماها الرومان، اليوم، تكاد تأفل ..

          1874 , كانت هذه هي السنة التي أريد معايشتها في بعلبك, السنة التي افتتح فيها الخواجة اليوناني ميمكاليس باركلي فندقه مقابل المعبد, وأطلق عليّه اسم ” بالميرا ” نسبةً للتمثال النصفي الذي جلبه معه ونصبه في مدخله, تمثال الملكة زنوبيا. ملكة مدينة تدمرأو بالميرا في الاغريقيّة.

           الفنادق القديمة، ارشيفٌ لتاريخ المُدن وزوّارها. ملوك، أمراء، فنانون، قادة، جنرالات حرب، رسامون، كُتّاب ورحّاله، كلهم مَرُّوا من هنا، تاريخ بعلبك الحديث مرّ عبر بوابات وحجرات فندق بالميرا، الفندق الذي سكنه شاه إيران وامير الكويت صباح السالم والجنرال الفرنسي شارل ديجول وأم كلثوم وفيروز وصباح وأسماءٌ وصوّر ممتدة في القاعة التي تحمل تاريخ الفندق كمتحف. فندق بالميرا الذي لم يستبدل أثاثه منذ عقود، الأثاث الذي كان أفخر وأفخم وأحدث ما فُرش فيه فندق لبناني في ذلك الوقت, بما يليق بقامات نزلائه, لَم يمسح عن وجهه غبار التاريخ، الفندق الْيَوْمَ لا تكاد خطوات السياح تدب بين ممراته، ولا تكاد تسمع صرير أبوابه العتيقة تفتح للنزلاء، بسبب قرب بعلبك من جبهة الحرب والحدود السورية.

           تقول مالكته الحالية ريما الحسيني والتي كانت تجلس في مكتبها عندما زرته كحارسةٍ للذكرى ان الفندق مرّ عليه شهرٌ كامل في احدى سنوات الحرب لم يسجّل سوى حجزاً واحداً فقط, لكن ذلك لم يجعلها تفكر أبدّا بالتفريط فيه وتركه.

          استقبلنا العم أحمد كساب, بظهرٍ منحنٍ يحمل فوقه تاريخ المدينة, ورأسٌ خالٍ من الشعر, ممتلئٌ بذكرياتِ ستين عامًا من العمل في بالميرا, رجلٌ كحَجرٍ من حجار الفندق, كشجرةٍ من شجرات حديقته وكغرفة ممتلئة بالحكايا والأسرار, عاصر وخدم وصادق أهم من مرّوا به, أستقبلنا بحفاوة, طاف بنا الغرف وسمّى لنا نزلائها وقصّ علينا أخبارهم, أخذنا إلى الغرفة المفضّلة للسيدة فيروز, بتختها النحاسيّ ودولابها من الحجر المحفور, تسكنها في بعلبك عندما تزور المدينة للغناء في المهرجان على مدرّجها الرومانيّ, يقول بأن الزوّار المهوسين بالسيّدة يأتون فقط للنوم في سريرها, آخر مرة كانت فيروز هنا قبل احدى عشر عام . وهذه غرفة الشيخ عبد الله السالم, وهذه غرفة الفنان الفرنسي جان كوكتو, ترك توقيعه على الجدار بجانب سريره.

حدّثنا عن سنوات عزّه خصوصًا في أيام مهرجان بعلبك الغنائي عندما بلغ قمّته كان الناس يطلبون من الفندق ان يستقبلهم ولو بأسرّة مكشوفة على السطح! وهذا ما كان يحدث بالفعل.

          ثمة أماكن عندما يمر عليها الزمن يُغيّرها كثيرا، وأماكن عندما يمرّ عليها يزيدها أصالة, فندق بالميرا كان هو الزمن بذاته.

          دعانا بعدها العم أحمد لجولة سريعة في شوارع بعلبك, أرانا منزل طفولته والذي فقد سقفه وبعض جدرانه, وافتخر بمجاورته لمنزل الشاعر خليل مطران الذي كان وقت زيارتنا هذه تحت الترميم تمهيدًا لتحويله إلى متحف ومركز ثقافي.

          كما طاف بنا بين القصور القديمة التي هجرها أصحابها خلال الحرب الأهليّة وما عادوا إليها, كان يقول لنا بألم ” كلون فلّو عَ أميركا والبرازيل, عندون مصاري كتير بس ما رجعوا بعد مارجعت لبنان, الورثة خلئوا هونيك ومابدون يرجعو تيّعمروها ” كانت على الرغم من تحطّم زجاج نوافذها وتساقط قطع قرميدها والصدئ الذي عشعش طويلاً على أقفالِ أبوابها, لا تزال جميلة, مهيبة وأنيقة, كان حيّا بكاملة قد غادرته الحياة واستوطنته الذكرى.

          ثم, بعد أن أعادنا للشارع العام استأذننا للعودة للفندق, حيث لا أحد يسد مكانه, وأشار لنا على مطعم العجمي والذي يعدّ أطيّب صفيحة بعلبكية منذ عام 1924 ” فيكن تتغدو هون وترجعوا عالأوتيل

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s