فيلا ترافيلا

الصورة التي احتفظت بها لسنوات على أمل لقاءٍ قريب

قبل سنوات, واثناء انغماسي في مشاهدة مواقع الديكور والتصميم وقعت على صورة “مرايتيّن صدف” عن اليمين والشمال لبوابة بيضاء تنفتح على البحر, ذلك النوع من الصور الآسرة التي تعلق في القلب طويلا, بحثت عن المكان الذي من الممكن أن تكون قد ألتقطت فيه, فيلا فاخرة في طنجة؟ اللاذقية؟ منزل ثريّ بيروتي؟ تونس؟ أو احدى مدائن تركيا التي تطل على البحر؟

 وضعت كل خيارات الشرق الشاطئية ولم تكن الصورة تنتمي لأيٍ منها, كانت من مدينة بوسيتانو في إيطاليا, الصورة التي حملتها في ذاكرتي كحلمٍ أبيضٍ جميل استيّقظ عندما تيسرت الرحلة ووقفت هناك, في المكان ذاته, أرى انعكاس البحر من الساحل الإيطالي في مرايةٍ دمشقيّة.

البهو السفليّ من الفيلا, والذي يمثّل استراحة لشرب المثلجات والقهوة مصمم بدمج روح المغرب ودمشق, يغشاه البياض, أسقفه مزيّنة بسيراميكٍ أبيض محفور بالنقوش التقليدية بأيدي حرفين مغاربة, الطاولات تعلوها نحاسيات مطروقة في سوق النحّاسين جيء بها من فاس, بالإضافة للأبجورات المخرّمة التي تضفي اضاءة المشربيّة على المكان.

حضور دمشق كان عبر المرايات الصدف الثلاث التي جاءت بي إلى هذا المكان الساحر, وأكّدت تورطي بملاحقة المدن والفنون المشرقيّة حتى عندما أولي وجهي شطر الغرب! والصندوق الصدفيّ أيضًا, الذي يُهدى عادةً للعروس في بلاد الشام مزينًا بقطع الصدف وخيوط الفضة أو القصدير لتحفظ فيه جهازها وتحمله إلى منزل الزوجية, الصندوق الذي أصبح سطحًا لتقديم المشروبات في بهوٍّ مشرقيّ على الضفة الأخرى للبحر الأبيض المتوسط, الضفّة المقابلة للمدائن التي أبحر منها.

هكذا هم الخواجات دومًا, عندما يزورون الشرق ويتذوقون فنونه وملذاته, يكونون بين خيارين لا ثالث لهما, إما أن يقرروا العيش فيه, أو أن يحملوه معهم إلى أوطانهم.

          الفيلا, فيلا ترافيلا المبنيّة على شفا جرفً حجريّ مغروسُ في طرفٍ قصيّ من مدينة بوسيتانو منزويّا عن مركزها وزحام فنادقها, كان في البدء مكان لاسترخاء الكاتب الروسي ميخائيل سيمينوف استقبل في هذا المكان الرائع العديد من الضيوف المميزين, بعد ذلك انتقلت ملكيّتها للمخرج السينمائي والأوبرالي الشهير فرانكو زيفيريللي.

زيفيريللي الذي هرب من الحرب في بداية حياته ذهب إلى روما ليصبح ممثلا بعد أن وضعت أوزارها, ولكنه اكتشف أن شغفه يقوده نحو الإخراج وبناء المشاهد وتصميم الثياب المسرحية, أخرج عددًا من الملاحم الكلاسيكية مثل عطيل وروميو وجولييت كأفلامٍ سينيمائية, حاز على الجوائز واستمر عطاءه حتى بعد أن أتم عامه الثمانين وجاوزه, شغفه لم ينطفئ, ومن اهم أعماله الأخيرة على المسارح العالمية عرض ” أوبرا توراندوت “على مسرح دار الأوبرا السلطانية في عُمان عام 2015 والعرض الضخم  الذي أخرجه وصمم لوحاته على شرف إعادة افتتاح مسرح لاسكالا في ميلانو ” أوبرا عايده ” المستوحى من الحضارة الفرعونية .

 هذه المسيرة الحياتيّة والعقود الست التي قضاها بين الموسيقى والأزياء والديكورات واللوحات وبناء العوالم, متنقّلا على جناح الفن بين الدول والمسارح ترجمها في تأثيث فيلته, والتي حوّلها إلى فندق بوتيكيّ يستضيف الفنانين والكتّاب والسياسيين والموسيقيين والسياح الذين ينشدون المتعة والجمال في اقامتهم.

أثناء تجوّلي في بوسيتانو وسورينتو وكابري ألقيت نظرات سريعة على العديد من الفنادق الفنيّة والفارهة, ولكن, ما رأيته في فيلا ترافيلا كان أكثر بهاءً وجمالا. كانت القدرة الاحترافية في خلق الجمال واضحة, كل بهو, كل حجرة, كل حديقةٍ وشرفة, كانت تمثل مشهدًا أسطوريًا ينتمي لحضارةٍ ما, تعامل زيفيريللي مع الفيلا كما يتعامل مع لوحات الأداء التي يقدّمها في الأوبرا, لوحات مختلفة ولكنها منسجمة ومترابطة, ليست جميلة وحسب, بل ناطقة, تروي لحكايةٍ ما.

اعتمد في تصاميمه على طُرز مختلفة, مدتيريان وأورينتال, أبرز جمال البلاط الايطاليّ الملوّن في الأرضيات وكاطاراتٍ للنوافذ التي يطل من خلفها البحر, استعان بقطع من التماثيل والتحف والفازات المصنوعة من سيراميك على الطراز المحلي ومن المعارض الفنيّة التي تحفّ الطريق الجبليّ لبوسيتانو, جلب الثريات المشبّعة باللون من زجاج بورانو في الشمال والأثاث من صقليّة ونابولي.

هنا, في هذه الفيلا النابتة على شفا جرفٍ حجريّ متشبثُ على كتف البحر الأبيض المتوسط صنع فرانكو زيفيريللي أجمل أساطيره, أجمل عروض الأوبرا على المسرح الذي يمتدّ البحر من تحته, صنع الأسطورة من بلاطِ بوسيتانو الملوّن وحجارة جبالها الرمادية.

          وقبل أن أغادر سألت الموظفة التي صحبتني في أرجاء الفنّدق , هل تشعرين بالملل هنا؟ هل تريّن بأن هذه الجنة التي تعملين وتعيشين فيها قد أصبحت عادية لفرط ما شاهدتِها؟ باغتها السؤال, ابتسمت ومدت بصرها في البحر وأجابت : لا لم أفكر قط بأن هذا المنظر عادي وان رأيته كل صباح, حتى في الشتاء, حتى عندما تصبح الأيام صعبة والطرقات خطرة والسماء رمادية ويتلاطم الموج وتتوقف الزوارق عن الإبحار, يبقى المنظر جميل, جميلٌ جدا, وأحبه.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s