مهرجان الحواس : سوق الطيب ومطعم طاولة

          “مونة وموناها، من نص الضيعة جبناها

سوق الطيب المذاق الحقيقي للبنان، لضيعتها وجبلها وبساتينها، المذاق الطازج المُشبع بروح الأرض ونكهتها، حيث انواع الزعتر، الكبب, الصاجات, التوابل المجففة، الأجبان والفواكه والسماق، المربيات، اللبنة، الكبيس، المخللات وأنواع المشروبات العربية، شراب التوت والرمان والورد واليوسفي والجلاب. سوق الطيب, سوق المزارعين وربات البيوت والطهاة الذي يجمع على لسانك كل نكهات البلد يقام صباح السبت في قلب بيروت.

           يحمل المزارعون سلال قطافهم وتأتي النساء بطناجر طبيخهم لتتبادل الضِيَع والمُدن اللبنانية جميعها الأطباق والأسرار في مهرجان الحواس هذا. من الشجرة إلى السوق، الثمرة التي تحمل سرّ الأرض وشغف الفلاّح الذي يؤمن بالتربة والماء والبذرة، يتتبع خطى الأجداد وطقوسهم في الزراعة وتغذية الأرض وتربية الدواجن، يؤمن بالطعام الصحيّ وبما تهبه الطبيعة دون عبث الانسان.

تعي دوئي، تعي يا حلوه هيدا رمان بيتي، أطفتوا امبارح
هكذا دعتني إليها السيدة اللبنانية بابتسامةٍ دافئةٍ عريضة ورحبة، دعتني لزاويتها المليئة بخيرات الارض المجاورة لمنزلها.

تعي عنّا, الكبة هيّ فيكي تاخذيها ع بلادك

الصابون أنا بعملوا, كل المكونات أورقانك

وتتوالى نداءات الباعة, وتتفرع معهم الأحاديث عن الوصفات والمذاقات وثقافات الأطباق.

          ومن فكرة سوق الطيب انبثق مطعم طاولة، طاولة السفرة، طاولة الأصدقاء وطاولة المسرّات الممتدة أمامك، الشِّف هنا سيدة لبنانية معتّرة، تجيء بمونتها وسرّ أمها وأطايب طناجرها لتطهو للضيوف، قائمة الطعام في كُل يومٍ من أيام الأسبوع تستلهم مذاقاتها من قريةٍ لُبنانية مختلفة.

          في النشرة التعريفية للمطعم, كان العنوان ” شو طابخة الماما اليوم؟  ” والذي هو اول سؤال ستطرحه عندما تدخل منزلك, وعندما تدخل مطعم طاولة كذلك، تأكيدا على أصالة المذاق اللبناني في مطعمهم.
في كل يوم من ايام الأسبوع تترك امرأة لبنانية مطبخ منزلها، تحمل قِدرها ومونتها ومكوّنات طبيخها التي قطفتها بيديها وطحنتها برحاتها وتنزل لمطبخ المطعم لتعد الوصفات التي تناقلتها الأجيال في ضيّعتها, الأحد مثلا مذاق الجنوب والاثنين مطبخ البقاع والثلاثاء للأطباق الأرمينية والاربعاء نكهة جبال الشوف.

          في مطعم طاولة أنت لا تأكل فقط، لا تتذوق نكهة البلد على لسانك فقط، أنت هنا تجلس على طاولة مستطيلة كبيرة في وسط صالة الطعام، يشاركك إياها غرباء لا تجمعك بهم الا نشوّة الطعام اللذيذ، تلقي التحية على جارك وتتناول شراب الضيافة اللبنانية الأصيلة ” الجلّاب “.
حين تقوم لخدمة نفسك في البوفيه ستلتقي بالطهاة الذين اعدّوا لك اللذائذ، ستسأل الست زينب عن وصفة اللحم بعجين والست جورجينا عن حكاية المدردرة.
لا أحد يختبئ في المطبخ، الجميع يشاركك الحديث والوصفات ويسكب لك بيديّه ما قد طهاه، بسعادة ودفء الام التي تسكب لأبناءها وتحتفي بهم .
وبعد أن تمتلئ بالمذاق والحديث، لابد من قضمة معمول الفستق بماء الزهر، الذي تغمض حين تتذوّقه وتصرخ في نفسك ” يا الله “. وان كنت سيّء الحظ مثلي، فصينية الكنافة ستطير امام عينيّك ريثما يضعها الحلواني على طاولة الحلو.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s