بيروت : بلاط شعيا

لم تكن البيوت في المدن العربية بيروت وعمّان وحيفا ونابلس والقاهرة مفروشة بالبلاط الملوّن، هذه السمة الجمالية وفدت عليها من موانئ البحر الأبيض المتوسط، حين انفتحت على ايطاليا وفرنسا وجلبت القرميد والقناطر والبلاط ورسوم السقف، غيّرت عمران البيت العربي، من بيتٍ يلتف حول جنّته إلى بيتٍ ينغلق على نفسه، ينفتحُ على خارجه، اليوم، حين أزور تلك البيوت التي نجت من معول الهدم وطمع الحداثة، ينبجس الجمال من تحت قدمي، يستقبلني البلاط البلدي كما يُسمى بنقوشه البديعة وألوانه البهيجة، يفترش الأرض كسجادةٍ من التراث.

في احدى رحلاتي لبيروت، تتبعت تلك البلاطات التي فتنتني في مداخل البيوت وصالوناتها وشرفاتها حتى قادتني إلى أحد المصانع المحلية التي ينتجها منذ عقود، مصنع بلاط شعيا، قصدته بغرض الاطلاع على طريقة صنع البلاط، وشراء بلاطاتٍ أفرش بها إحدى غرفات منزلي التي اعتزمت تأثيثها كصالونٍ في بيتٍ بيروتي.

يقع المصنع في منطقةٍ صناعية على أطراف بيروت، حينما وصلته لفتني على بوابته الحديدة الضخمة رائحة الطين، وبلغ مسامعي أزيز المكائن القديمة وهي تلف موتوراتها للانتاج، لم يكن ثمّة عُمالٌ كُثر، القليل من الأيدي العاملة الحرفية كانت كافية لتشكل الحلقة التي تُكمل صنع بلاطةٍ واحدة، مررت بالعامل الأول وهو يصبُ ألوانًا مختلفة من الطين المسال الممزوج بالصباغ في قالبٍ حديدي، يمرره لعاملٍ آخر يكبسه ويُدخله الفرن، وحين يتماسك الرسم يصف البلاطات لعامل التلميع الذي يُديرها في آلةٍ أشبه ما تكون بقدرٍ كبير، تغطيها بمادةٍ لامعة.

لقد كان الحظ حليفًا لي في ذاك الصباح، إذ تواجد السيد إدغار شعيا وريث المصنع ومُحييه خلف مكتبه، استأذنت بالدخول عليه وتقمصت شخصية صحافيةٍ فضولية، عرّفت بنفسي ككاتبةٍ من الكويت شغوفة بفنون المدن، السيد شعيا جاوز الثمانين من عمره، بدا خلف مكتبه كرجلٍ نبيل بهيئةٍ أنيقةٍ جدا قادمٍ من زمنٍ بعيد، بدا كممثلٍ سينمائيّ في دور جدٍ ثريّ.

اليوم، بينما يجنح الجميع نحو الحداثة، يقول شعيا : أنا أتطور نحو القديم، رفع هذا الشعار في واجهة مصنعة، شمّر يديّه وأعاد الروح لتلك المكائن التي توقفت عن العمل لعقود، سيد ادغار، ما هي الحكاية؟ سألته.

” شوفي يا بنتي، هيدا المصنع لبيّو لجدي، لما اجت صنعة البلاط من ايطاليا تعلما وفتح المصنع، وكانت البيوت كلها بتفرش لبلاط، لما بتفوتي اليوم ع بيت أديم ما بتئدري تشيلي عينك عن الأرض عأد ما لبلاط الي فيها حلو، بس الناس بطلّت تفرش بلاط ببيوتا، والمصنع قفل. أنا كنت شب، كنت بدرس، وقالتلي والدتي الله يرحما لازم تشتغل، وشغلتني في محل صرافة، وكان المحل يعطيني 10 ليرات بالجمعة، بعدها فكرت، قلت معقول، أنا هالقد قيمتي؟ عشر ليرات بالجمعة؟ وظليت اشتغل لين الله أراد واشتريت المحل يلي كنت أجير فيه، وصرت صرّاف، والله فتح عليّ الرزق، بعدها تعبت وتركت الصرافة، قضيت سنين بلا شغل، وتعبت من الرياح، الراحة تعبت منها، وهيك شي يوم، لقيت صندوق فيه قوالب مكسورة بالبيت الأديم، قلت الحمد لله، الله بعتلي هول لأتسلى فيهم، وظليت أربع سنين لصبيت أول بلاطة! ماكان الموضوع سهل، وماكان في حدا يعرف يشتغل بالبلاط وقتا، ومن يومها، بس تعلمت فتحت المصنع وجبت شغيله، بعد كل هالعمر لقيت الشي يلي كان لازم أشتغل فيه من زمان، المصنع اشتغل، وبلاطنا صار يتصدر لسويسرا ولفرنسا، وحتى لإيطاليا، إيطاليا المكان الي اجا منا البلاط صرنا نصدرلو، لأن هونيك ما عاد حدا يعملو. ”

في مكتبه، كان السيد ادغار يتبارك بالقوالب القيديمة التي عثر عليها، يعرضها أمامه مع أدواب الصب والكبس والصندوق القديم، يقول أيضًا عن بلاطاته: البلاطات في هالمصنع مثل أولادي وأحفادي، أفتخر بكل بلاطة، الألوان تصب بالقوالب بحذر، وتعجن بحذر وتدخل الفرن بلاطة بلاطة، إن شاب إحداها عيب، لا نقوم برميها، العيب البسيط يصير جزء منها، العيوب هي دليل العمل الإنساني الذي لا يبلغ الكمال مثل عمل الله، العيب يدخل بتكوينها ويدلل على صنعتها اليدوية.

كما قام بإعادة تسمية النقوش على اسماء المدن والضِيع اللبنانية، هذا نقش دير القمر وهذا نقش بعلبك وهذا النقش سميناه البترون، لما سألته عن السبب قال: لأني بحب هالأمكان، بحب لما صدّر البلاط لبرا، الناس تعرف هي المدن في لبنان، وتجي تزورا.

بعد نشوة اللقاء والحديث، وزيارة المصنع وتلمس البلاطات الطازجة الخارجة من الفرن، انتقيّت بلاطاتٍ للغرفة المأمولة في المنزل، وحملتها معي جذلى إلى الفندق، ولكن هذه السعادة تلاشت في جهاز التفتيش قبيّل ركوب الطائرة، وصودر الحلم مع الصناديق الخشبية مُحكمة الإغلاق، إذ حملت معي أربع صناديق من الخشب المثبّتة ألواحها بمساميرٍ حديدة، بداخلها المجموعة التي اخترتها لتُفرش كسجادة زاهية، ولم يتمكن جهاز التفتيش من كشف محتواها إذ ظهر على الشاشة ككتلةٍ سوداء مجهولة، وبطبيعة الحال، لم يتمكن أحد من فتح الصناديق الموصدة، إلى أن استعاد أحد عمال المطار بمطرقةٍ كبيرة، بالكاد فتح بها طرف أحد الصناديق وتسبب بكسر بلاطتين بداخله، أصر المفتش على فتح الصناديق جميعها، وباستحالة هذا الأمر، تركتها في المطار وغادرت بقلبٍ كسير.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s