سيدي بوسعيد : قهوة مزهّرة، بامبالوني وتاي بالبندق

قهوجي يا قهوجي ، جيبلي قهيوة

قهوجي يا قهوجي ، سخونة وحليوة

* أهجوزة شعبية تونسية

قهوة مزهّرة، القهوة العالية :

سيدي بوسعيد المدينة، اتخذت اسمها من الوليّ الصالح أبو سعيد بن خلف بن يحيى الباجي، والذي وجد بها مستراح قلبه وهناء روحه فانعزل بها عن الناس، جعل منها مُعتكفًا ومختلى، وفي الوقت ذاته مرصدًا لسفن العدوّ إن تقدّمت للهجوم، فبسبب موقعها المرتفع، وانبساط البحر من أمامها وافتضاحه، قربها من العاصمة وسرعة بلوغ الخبر إن كان ثمة خطرٌ يُحْدِق، نذر نفسه على سفحها، مُتعَبدًا لله وحارسًا لأرضه، أسس عليها طريقته وكوّن جماعته ودُفن بترابها حين وفاته وعند قبره، بُنيت الزاوية والضريح.

بعد تناول الإفطار في شرفة الفندق المعلّقة على البحر الأبيض المتوسط، خرجت لملاقاة المدينة، كان الصباحُ في أوله، يهمّ الباعة بفتح دكاكينهم، والطلبة بقصد مدارسهم، والأمهات بتوديع أطفالهن، والبرتقالات المتلألئة على الأشجار تلتمع تحت انعكاس أشعة النور عليها، كانت البيوت تزداد بياضًا مع ارتفاع الشمس في السماء وانتشار نورها والبحر يزداد زُرقة، وكان بائع البمبلوني يشكّل عجينه على هيئة أقراص، يغمرها بالزيت فتسبح فيه وتكتسب لونها الذهبي وقرمشة قوامها، يسحبها بعصًا حديديةٍ طويلة ما إن تنضج، يقلّبها بالسُّكر، يلفها بورقةٍ بيضاء، ويمدّها بابتسامة للواقف قبالته، متمنيًا له المتعة مع كل قضمة ومودعه بقوله : شاهية طيبة.

ابتعت لنفسي المذاق الحلو للمدينة، قرص البمبالوني الذي تشتهر به سيدي بوسعيد منذ عقود، وقد وفدت هذه الفطيرة المحلاة من المطبخ الإيطالي، واحتفظت باسمها المرح، حملت نصيبي من التحلاية وصعدت الدرجات التي ترتقي لمدخل القهوة العالية، حيث كان موقعها هو مدخلٌ للزاوية الدينية، وبعد ترميمها في مطلع القرن الثامن عشر تم هذا اغلاق المدخل والاكتفاء بالمدخل الخلفيّ، وتحولت هذه الشرفة المرتفعة إلى مقهىً ومكانٍ لتجمع الرجال، بفضل علوّها على المدينة، واشرافها على السوق والطريق الرئيس.

للمقهى ثلاثُ جلسات، الداخلية المفروشة بالحصائر والطاولات الخشبية الخفيضة حيث يجلس الزائرون على الأرض والمزينة بلوحاتٍ وصورٍ وسردٍ للتاريخ، وجلسةٍ خارجية تتيح للجالس رؤية السوق والمحال والأصحاب الرائحين والغادين، وجلسةٍ علوية بإطلالةٍ على البحر.

طلبت القهوة العربية بالزهر، أو القهوة المزهّرة كما يدللونها بالدارجة التونسية، جاءني بها القهوجي على صينيةٍ فضية، بجانب كأسٍ من الماء ومِرَشٍ فضيّ قطّر لي منه بضع قطرات في كوب القهوة، عطّرها ونكّهها بعطر المدينة، بماء الزهر المستخلص بالربيع من أزهار شجر البرتقال التي تملأ طرقاتها، اتخذت مقعدي الخارجيّ، أشرب القهوة نخب السوق المتحدّر من تحتي، كنهرٍ تجري به البضائع والباعة والمشترين وأشجار البرتقال المثمرة.

تاي بالبندق : مقهى سيدي الشبعان

قبيّل الغروب، وبعد أن أنتهيت من السوح في طرقات القرية، زيارة بيوتاتها والتسوق في أسواقها، قصدت مقهى سيدي الشبعان لشرب كأس التاي كاستراحةٍ تسبق العشاء.

في تونس، يسمون الشاي الأخضر ” تاي ” والصنوبر ” بندق ” وفي بيوتهم ومقاهيهم يقدمون الشاي الأخضر بالصنوبر كما لم أعهد ذلك في أي مكانٍ آخر، ويسمونه ” تاي بالبندق ” كانت الكؤوس الشفيفة بين يديّ رواد المقهى كلها تمتلئ بهذا الشراب، المقدم كتقليدٍ أصيل من تقاليد المكان، طلبت كأسي واستقبلت بوجهي شمس الغروب وهي ترخي على نفسها سدول الخدر، تخلع عنها النور الساطع، وترتدي حلّةً برتقالية اللون، تصبغ بشعاعٍ كالتبر ترميه من بعيد قباب المنازل والزوايا والأسواق بظلالٍ ذهبية، كانت القرية في وقت الغروب، ساحرة، تودّع النهار وتستقبل الليل بفتنة، كامرأةٍ تمارس الغواية بارتداء قلائد الذهب، والبحر من أمامها يخلع زّرقته لصالح حُمرة الشفق، البحر مرآة السماء، وجهها في الأرض.

مقهى سيدي الشبعان حين تبلغ بوابته، ستجد بوابةً زرقاء دفتيّها تنفتحان على البحر، لن ترى المقهى فهو يتحدّر منها، تنزل عدة درجات لتختار المصطبة التي ستجلس عليها مصطباتٌ زرقاء مفروشة بحصرٍ ملونة، كمدرّجاتٍ في مسرح، بعضها فوق بعض، أما العرض المستمر على مدار اليوم، فهو البحر، البحر وهو يبدّل أحواله وفصوله ، عند الشروق أبيضُ تتكسّر على سطحه بلوّرات النور كنجومٍ برّاقة، البحر في منتصف اليوم وقد أتمّ زُرقته، البحر عند الغروب برتقاليٌ خادر، والبحر متخفٍ خلف ستار الظُلمة بالليل، يضوي على بساطه الداكن ضوء قمرٍ بعيدٍ مُكتمل ..

السوق في سيدي بوسعيد

في أسواق المدن التونسية الأخرى مثل الحمامات وسوسة والقيروان والعاصمة، كانت البضائع تتشابه، حقائب الخوص، مستلزمات الحمام، الصابون والزيوت والعطور، الأعشاب والحلويات والخزف المحلي، الشاشية والحايك والجبة، لوحات تحملُ رسمًا لأبوابٍ ملونة واشجار جهنمية على جوانبها تفيض منها الأزهار، والكثير من الباعة الذين ينادون لتسويق ما لديهم، أما في سيدي بروسعيد، المدينة الأذيع صيتًا في مسامع السياح، والتي ترسو بها سفن السياحة العملاقة أثناء جولتها في البحر الأبيض التوسط، والمدينة التي تعد مقصدًا للمستوطنين الطليان و الفرنساوية، كانت الأسواق والدكاكين مختلفة، تزدحم بالجديد والمبتكر والمميز، المختلف عن الصنعة الشعبية التقليدية، كانت القطع المعروضة في بوتيكات المصممين الأجانب والذين يستوحون ثقافة المكان ويمزجونها بذوقهم المستورد تشبه البوتيكات الراقية في الحي الجديد في مراكش.

فندق فيلا بلو في سيدي بوسعيد :

فندق دار سعيد في سيدي بوسعيد :

مشاهد من الطرقات في القرية :

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s