شفشاون : السماء تهبط في المغرب

السماء تهبط في المغرب

قبل سنوات, وضعت لي قائمة بأجمل خمس مدن قد أراها في حياتي, قلت إن زرتها كلها سأكون قد أحطت بآياتِ الله التي استخدم البشر لبنائها على الأرض, غرناطة الأندلسية, إسطنبول العثمانية, مرّاكش الساحرة, فينيسيا الفانتازية والمالديف بمنتجعاتها العائمة على بحرٍ من الفيروز, زرتها ولكن هل كنت محقة؟

عيناي الممتلئتان بالمدن المدهشة, بالآثار والقصور والأزقة والأسواق والوجوه, عيناي المشبعتان بالألوان والمناظر والصور عندما رأتا شفشاون, شَعَرتُ بهما وكأنما تدركان الجمال للمرة الأولىـ وأن كل ما رأيته سابقًا محض تشابهٍ وتكرار، شعرت بأنني لم أسافر من قبل ولم أرَ أيًّا من الدهشة في مدينةٍ سواها، شفشاون كانت مدينة تامة الجمال، لا يسوؤها شيء ولا يشوبها نقصان

يسمونها الجوهرة الزرقاء, وأضيف, النادرة النفيسة الواحدة التي لا يشبهها شيء, ولا تنتمي لمكانٍ على أرضنا هذه, حين تراها من بعيد, قبل أن تعتلي الطريق الذي يعرج إليها, سيُخيّلُ إليك بأنها غيّمة تَسبح في ملكوت الله, ابنةُ الجبل هي, وربيبة السماء.

شفشاون المشيّدة بين الجبال, بالأصل وُجدت لتكون ثكنة جهاد في القرن الخامس عشر، سكنها المسلمون لترتيب صفوفهم بعد سقوط الأندلس، أطلقوا على طرقاتها وأحيائها أسماء المدن والدويلات الأندلسية تيمنًا بموطنهم وحنيناً إليه, وبعدها، عندما سقطت الرايات وارتدت الحروب على أرض المغرب, تحولت لمركز مقاومةٍ ضد الاستعمار الاسباني، فكانت أول مدينة مغربية تنجح في التخلص من قبضة المستعمر.

          وصلناها بعد أن قطعنا بالسيارة لساعاتٍ سهولا زراعيةً طويلة تنبسط بينها وبين الرباط, كان الليل قد غشى وجهها بظلمته, ولكنه لم يستطع أن يحجب جمالها, كانت تتلألأ بوجل, مضاءةً بأنوارٍ خافته تنبعث من مصابيحٍ تستند على جدران أزقتها بلا اسراف, بما يكفي ليرى السائر طريقه، كانت كحسناءٍ تسبلُ على وجهها غطاءً شفيف، لا يحجب الحسن ولا يبديه جليّا, كل ما يفعله, أنه يزيد الشوق اشتعالاً لاكتمال اللقيا.

عرائشٌ ومتاهة

          ليس لشفشاون سوقاً محدداً يقصده السائح، السوق يمتدُ معك حين تسري في شوارعها الرئيسية، تتنوّع المحال عن يمينك وشمالك متيحةً لك فرصة الاطلاع على المنتوجات المحليّة ومشاهدة النسّاجين والحاكة والعطّارين والخبازين والحرفيين وهم يمارسون أعمالهم وراء الأبواب المشرِّعة، السوق في شفشاون عبارة عن مُجتمع متكامل من الكهول والنساء والأطفال والشباب، حين تبتاع من أحدهم شيئاً فأنت تبتاع قطعة شفشاونية أصيلة.

          شوارعها عبارة عن متاهة زرقاء، طرقاتٌ بعضها فوق بعض، غيّمات أو ربما سماواتٍ سرية، سقفُها عرائش العنب، الأزقّة الزرقاء تنهمر من فوقها الدوالي ، في كل زقاق ثمة عريشة تتكئ على جدار وتمتدُ فوق آخر اذ تبدو كحدائقٍ معلّقة تسري مع الطرقات.

          لم تكن الطرقات الزرقاء وحدها ولا عرائش العنب التي تسقف المدينة ولا الأبواب التي تشكلُّ لوحاتً فنيةً ملتصقةً بالجدران هي المكونات الجمالية التي تختص بها مدينة شفشاون، اذ تشاركها بذلك مدنٌّ أُخر. لكن الملمح الجماليّ المذهل الذي لن تجده في أي مكانٍ آخر هو “وجوهُ سكّانها”.
الوجوه التي عُجنت من الملامح العربية والإسبانية والأوروبية، الوجوه التي تشكّلت على مدى قرون في بلاد الأندلس.
حين كنت أحادثهم، كنت اتملّى في تلك الملامح الفريدة التي لن تستطيع ان تصفها بالملامح العربية او الامازيغية او الاسبانية او أيا كان، وجوههم أندلسية وكفى..

          في تيهي بين أزقتها, استوقفني عددٌ قديم من مجلّة العربي التي سافرت من الكويت لتستقر في هذه البلدة البعيدة القصيّة, كانت العدد المعلّقة على بابٍ خشبيّ لمكتبةٍ صغيرة يحمل صورة لفتاةٍ بالزيّ الشعبي ترتدي الثوب المسرّح وتسدل على رأسها الهامة والسروح, دخلت المكتبة وإذ بشيّخٍ بشوش يرحب ويستبشر بالضيّفة الكويّتيّة, اخبرته بأن الحنين هو ما جاء بي حين ابصرت شيئًا من وطني معلقّا على باب مكتبته, فقال بأن شغفه الثقافيّ تفتّح على صفحات مجلة العربي, واصدارات عالم المعرفة وأنه يمتلك عددًا كبيرًا من الإصدارات, تبادلت معه الحديث وأهداني كتابة الذي ألّفه في تأريخ مدينته ” شفشاون لؤلؤة السماء ” , لقد كان ذلك الرجل كريم الطباع وشفيف النفس هو الشاعر والأديب عبدالخالق بن ميمون .

سألته قبل أن أودّعه :
– لماذا تطلون مدينتكم بالأزرق والأبيض؟
فأجاب :
– شفشاون مدينة زُهدٍ وأولياء، ليس فيها قصورٌ أو بذخ، مدينةُ إيمانٍ وسلام. الأبيض هو نقاء السريرة والأزرق هو لون الوصلِ بالسماء، لون الروح حين تتوق للقيا الله..

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s