فاس : نساء على أجنحة الحلم، الكتاب والمدينة

نساء على أجنحة الحلم

          زرت فاس مرتيّن, مرة عندما قرأت الكتاب الذي  تستذكر فيه  الكاتبة ” فاطمة المرنيسي ” ذاكرتها الأولى وسيرتها المبكّرة في مدينة فاس ” نساء على اجنحة الحلم “, والمرة الأخرى عندما سافرت للمغرب، من يقول بان الكتب ليست أجنحة سفر؟

          ” كنت أجلس على عتبة الدار وانظر الى بيتنا كما لو أراه لأول مرة، هناك في الوسط النافورة الرخامية التي تغرّد ليلَ نهار، يحيطها شريط رقيق من الزليج الأزرق والأبيض مثل الذي يرصّع المربعات الرخامية التي تُغَلِّف الأرض, الساحة محاطة بسواري تعلوها الأقواس أعلى وأسفل كل سارية من الرخام, أما الوسط فيرصعه زليج ابيض وأزرق يتلاءم مع تشكيل الأرض، كل العناصر كانت تندرج في تناسق شرس، لا شيء متجاوز والصدفة مستحيلة, على جوانب وسط الدار تتواجد غرفتيّ جلوس شاسعتيّن لكل منهما بابٌ فخم وبجانبها نوافذ كبيرة مفتوحة على وسط الدار, كانت الأبواب الكبيرة مصنوعة من خشب الأرز المنقوش تغلق بالصباح وفي فصل الشتاء, أما في فصل الصيف فتظل مشرعة تغلفها ستائر ثقيلة من المخمل المطرّز تتسرب عبرها النسائم وتحول دون الضوء.”

          هكذا استهلّت الحكاية, في وصف منزل العائلة الكبير الذي عاشت طفولتها في حريمه تتوق للأجنحة التي ستنبت لها حين تكبر كما حدّثتها عمتها حبيبة لتطير حين يهبط الليل خارج الأسوار. الوصف الذي جعلني ابحث عن الشخصيات التي ذكرت في الكتاب عند كل منزلٍ قديم في فاس وقفت عنده وقد تحوّل لمطعمٍ أو نُزلٍ أو معرض.

جعلني أبحث نساء منزلها، عن طقوسهن في الأعياد والولائم والاحتفالية الأسبوعية للذهاب للحمام، عن حكاياتِ عمتها حبيبة المولعة بالحكي واختراع القصص، وصرامة جدتها للا مهاني وفاطمة الطفلة, التي تكبر وسط كل ذلك، محاطة بحريم بيتها ومحظوظة إذ تستكشف العالم من خلف حدود ” الحريم ” مع ابن عمها سمير.

زيارتي الأولى لفاس والأكثر حميميّةً وجلاءً كانت بصحبة فاطمة المرنيسي التي أخذتني للمدينة من بابها السريّ. الكاتب  حتى وان غادر العالم، قد يكون هو دليلك الأول ومرشدك الروحي إلى مدينته حين يكتبها لك قبل أن يغادرها.

بلوغ فاس :

اللون الأصفر سيستقبلك على أبواب فاس لون طينها الذي خُلقت منه قبل أن ينفث الله فيها روح البشر, تلتفُ حولها الأسوار القديمة والبوابات المهيبة، عمرها ألفٌ ومئتيّ عام أو يزيد، ابنة مولاي الإدريسي الذي قيل بأنه أحد أقارب هارون الرشيد بناها لتكون عاصمة دولته, عند حدودها توقف الزمن ولم تمضِ القرون, قيل أيضًا بأن أرضها حين ضُربت تمهيدًا للبناء, وجدوا في باطنها فأسٌ فسُميّت ” فاس” .
          حين تستيقظ في الصباح الباكر وتنزلقُ في أزقتها التي تبدو كمتاهةٍ لا نهائية ستقول بأنها أهدأ مدينة على وجه خارطة المغرب، ولكن ما ان يستيقظ الطلبة والباعة والنساء والقطط والعمّال وينفرُّ كلٌ إلى حياته، ستخال بأنك في ساعةِ الحشر، تفيض الطرقات الضيّقة بالناس، والدرّاجات والبضائع المحمّلة على الحمير والبغال – حيث لا يمكن للسيارات عبور الأزقة القديمة – ويتحوَّل المشهد أمامك من الهدوء إلى الصخب في غضونِ نصف ساعةٍ أو أقل ! الحوانيت المُغلقة ستُشرّع أبوابها على الفنون الفاسية، النساء سيبدأن بتجهيز عجينة ” المسمّن والبسطيلة ” الخزّافون يعلقون الصحون على واجهة المحال، والنحّاسون في الساحة يدقّون القدور ويسوّون اطرافها بمشهدٍ يأخذك لأسواق المسلسلات التاريخية.
حين تصحو باكرا قبل فاس، ستدرك وداعتها، وحين تصحو المدينة بدورها، ستدرك حجم الصخّب الذي يختبئ خلف تينكَ الأبواب الموصدة ..

          التركيبة السكانية المتنوّعة للمدينة والثقافات الثلاث المتداخلة من أندلسيين وقرويين ويهود ساهمت بتنوّع الحرف وابتكار أشكال جديدة من العادات والصناعات ، كنت كلما قلّبتُ قطعة فنية في أسواق مرّاكش أو كازا او الرباط، شاهدتُ ختم ” فاس ” في قلبها، وكلما أراد احد الباعة مدحَ بضاعته قال بثقة، هذه من النحاس الفاسي أو خزف فاس أو تطريز النساء الفاسيات معتزّا بأصالةِ ما يبيع.

          الزمن هنا لم يترك خلفه العمران فقط, والمدارس والمساجد والبيوت والحانات والساحات, بل ترك النحّاسين أيضًا والدباغين والصفارين والمدرسين والعاطارين والسحرة وحفّاظ القرآن وطهاة والنسّاجين, كلٌ يمارس مهنته, يرثها ويُورّثها بعدتها ودكانها وأسرارها, التاريخ حين نسي أن يحمل المدينة لم يستثني أحدًا لأخذه معه.

بائع الذاكرة في فاس

          استأجرنا غرفةً في رياض ” قصر شهرزاد ” وقعت كما لو أني سائحُ غربيّ يحلم بملذات الشرق بفخ الاسم ودلالاته الأسطورية, كما وقعت في فخ صوره على موقع بوكنق حيث تبدو شجرة ياسمينٍ عملاقة كظلٍ للفناء, كان قصرًا قد بني في بدايات القرن التاسع عشر, كسكنٍ لأحد وزراء الدولة, ابتاعه ثريٌ فرنسيّ وحوّلة لأحد أفخر فنادق فاس, ذلك النوع من الفنادق الذي يطمس الروح الحقيقة للمكان على حساب ابهار النزلاء وتوفير خدمة الخمس نجوم.

          باب القصر ينفتح على المدينة القديمة, ولو شرحت لك السيّدة في مكتب الخدمة السياحية عشر مراتٍ الطريق الذي يجب أن تسلكه لتصل قلب السوق, ستضيع عند المفرق الأول, لذلك, استسلمنا لأولِ دليلٍ محليّ عرض عليّنا ارشادنا للمدارس والمساجد والمعالم والورش والمحلات التي يتقاضى منها عمولةً بالطبع إن قمنا بالشراء.

          تبعناه في الدروب الملتوية, نسمع خلف الحيطان ترديد الفتيات الصغيرات لآيات القرآن وراء المُحفّظة في الكُتّاب, نرى جداول الماء تسير وتغذي السواقي ومواضع الوضوء في المساجد, تلفنا روائح الخبز على الصاجات الحامية وتختلط برائحة الجلود المنبعثة من المدابغ.

          هُنا, وأشار الصبيّ/ الدليل على بوابةٍ صغيرة عن شماله, بالكاد تكفي لعبور شخصٍ متوسط البنيّة, دخلنا وإذ بها تنفرج على مغارة علي بابا! استقبلنا فيها البائع وراح يقص الحكاية:

” ابتعنا ثلاثة رياضات تقع في أزقة سوق فاس القديم، شرّعناها وازلنا الجدران التي تفصلها، رممناها دون أن نمسّ أصلها أو نطمس روحها.
الرياضات الثلاث بعد ان غادرها الورثة لخارج السور حيث المدينة الجديدة، حوّلناها لأكبر معرض يبيع التحف والانتيك، نحن نقدّر كل قطعة نجلبها إلى هنا ونشعر بالحزن بعد ان يحملها الزبون معه ويمضي . أنا وأخي، نجمع من البيوت القديمة السجاد، الاثاث، النحاسيات، القفاطين وكل ما يمكن أن تزداد قيمته مع مرور الزمن، القطع التي يفرِّط بها الورثة الصغار بعد رحيل مورثيهم”
هكذا يحدثني صاحب المعرض/القصر الذي دخلناه بمعيّة الدليل، حين استضافني وحدّثني ادركت كم يتشابه بائعوا الانتيك والتحف حول العالم، الشغف ذاته في قلوبهم والبريق في اعينهم حين سرد حكاية قطعة ما، هم لا يبيعون الاثاث او التحف فقط، هم يقدمون معها الحكايةَ والتاريخ.

           كان يفتخر بالآنية الفضيّة في معرضه والتي أتى بها من القصور, يحكّها بالسكين فلا تُخدش تأكيدًا على متانتها, ويتباهى بالبوابة التي أتى بها من الصانع الذي يعمّر بوابات دور الملك.

           استكملنا جولتنا إلى مدابغ الجلود, ومن لم يرتقِ السلالم لبلوغ سطح ” دار الذهب” المُطل على مدابغ فاس فكأنه لم يزرها, من الأعلى , ستبدو تحتك الأحواض الطينيّة الملوّنة بالأصباغ التي تُغسل وتَصبغ فيها الجلود حمراء, خضراء بنيّة وصفراء, بألوانٍ مستخرجة من قشر البلوط والرمان والنعناع والكحل, مصطفة كأبارٍ متجاورة بمشهد لم يتغيّر منذ قرون, منذ أمتهنت فاس مهنة الدباغة, وتسمى الدار التي تبيع الجلود وتقوم بمعالجتها ودباغتها بدار الذهب كنايةً عن المدخول الذي كانت تدرّه.

           اخذنا بعد ذلك لأداء الصلاة في جامع القرويين الذي بنته فاطمة الفهرية والتزمت بالصوم لحين انتهاء اعمال بناءه تقرّبا لله وطمعّا بقبول المسجد قبولاً حسن, لم يكن مسجدًا فقط, بل شاهدًا على بديع صنع العامل / الفنان المسلم, مبلّطٌ بمربعاتٍ متداخلة من الزليج الأخضر والاصفر والأزرق, تتوسطه نافورة الماء وتحيط بفناءه الأقواس التي تفضي لبواباته, تتدلى الثريات النحاسية من الأسقف، تلك الثريات التي صُنعت من أجراس الكنائس في المدن التي افتتحها المسلمون في الأندلس ، المسجد نتصب صومعته العالية خلف ركن الوضوء المبنيّ بما يحاكي صحن الأسود في قصر الحمراء.

          تلتحق بالمسجد الجامعة, جامعة القرويين, أولى جامعات العالم التي أدخلت الكراسي العلمية المتخصصة وأعطت الصكوك والشهادات لمن يتعلمّ فيها، وقفنا في الساحة التي كان يدرّس فيها ابن خلدون طلّابه ويعالج موسى ابن ميمون مرضاه، وزرنا الحجرات التي اعتكف فيها العالم النحويّ ابن آجروم وكتب “الآجرومية”.

حزمنا أمتعتنا بعد ليلةٍ ويوم واطلالةٍ سريعة على التاريخ في وجه فاس ومضينا..

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s