بستان باولينو : تحت سماءٍ من الليمون

ما أبحث عنه في السفر هو السحر, ذاك الذي يمسّ قلبك دون اعتبار لكون المدينة جميلة أم لا, أنيقة أم فوضوية, عصرية أم قديمة ورثة, السحر الذي يسكنها كومضةٍ برّاقة, ما إن تراها ستعلق بعيّنيّك للأبد

تحت سماءٍ من الليمون

في الأمسيات المقمرة

سنجلس سويًّا تحت سماءٍ من الليمون

حيث تلتمع فوقنا ثماره

كالنجوم الكبيرة

يردد سكان كابري هذه الأبيات عندما تغيب الشمس عن الجزيرة ويدبّ فيها الهدوء والكسل, عندما يغلقون محلّاتهم ويربطون مراكبهم بالمراسي ويغادرهم السيّاح للموانئ المقابلة فيجتمعون في بستان دي باولينو لتناول عشاءٍ مميز بصحبة مئة وثلاثين شجرة ليمون.

كان بستانًا يملكه الأخوين دي مارتينو في كابري, يفيضُ بليمون الجزيرة, تثمر أشجاره بسخاء, يتوقّف تحت ظلاله العابرون في الأيام المشمسة ويحتمي فيه الناس حين تمطر دون أن يكونوا قد حملوا مظلاتهم معهم, كان بستانًا خاصا بباولينو, ولكن سكّان الجزيرة كانوا يشعرون بأنه ملكهم أيضًا, وبأنه أجمل مكانٍ في كابري, كانوا يحبّون رؤية السماء الصافية والقمر المستدير عبر رفرفات أوراق الليمون, كانوا يتواعدون, يتهامسون ويتبادلون الذكريات الجميلة في غيابته, وكان باولينو يحب مشاركة ليموناته مع زوّاره, ليمون مزرعته التي يتميّز بقشرةٍ سميكة سهلة الازالة, ولبٌ سهل التقطيع, يمكن من خلاله اعداد السوربيتو والسلطة والأطباق المنكّهة بالليمون, وهكذا ابتدأت الحكاية.

* ترجمة بتصرف أدبي عن البطاقة التعريفية للمكان

          تحول البستان لمطعم, لأحد أجمل المطاعم في العالم التي قد تتناول فيها غداءك أو عشاءك ذات يوم, لأحد الأماكن الذي ستتحرّق شوقًا لزيارته حين تشاهد صوره أو تقرأ عنه, وتتحرّق حسرةً على مغادرته بعد أن تكون قد زرته.

          ملكية البستان انتقلت للابن, السيد ميشيلينو والذي يناديه الجميع لينو, حين يحين موعد العشاء يستقبل ضيوفه بالبشاشة الإيطالية المعتادة, ومنذ العام 1978 يلتقط الصور ويحتفظ بها في ذاكرة المطعم لمشاهير الزوّار, تمنيّت لو أنه كان موجودًا وقت زيارتي علّ صورتي توضع في ألبومه ذات يوم, ولكن للأسف لم يكن موجودًا, صوره على حساب الانستجرام الخاص بالمطعم تظهرهُ ودودًا ذو حضورٍ مرح, يداعب زواره, يشاركهم أمسياتهم السعيدة ويطهو لهم بصحبة الطهاة في المطبخ.

سألني زوجي عن وجهتنا الأولى في جزيرة كابري قبل أن نغادر المركب, أجبته ” مكان عجيب ” زوجي الذي يتوجس دومّا من خياراتي ويخشى إضاعة الرحلة في زيارة البيوت القديمة والوقوف على أطلال الكتّاب والأدباء الذين لم ولن يسمع بأسمائهم قط !

          على تطبيق خرائط قوقل التي سترشدني للمكان, كانت الملاحظة المكتوبة باللون الأحمر تشير إلى أنه مغلق, يفتح في المساء, في الساعة السابعة, والوقت الآن منتصف الظهيرة, أسررتها في نفسي وقلت من هذا الاتجاه, يبعد عنّا خمسة عشر دقيقة مشيًّا في هذه الجنة.

          كان الطريق إليه صعودًا من الميناء باتجاه الجبل, كلما أوغلت فيه وارتفعت, تبدّى لك البحر بشكلٍ أجمل, واتسع جمال المنظر في عيّنيّك, كنا نعبر بجانب البيوتات الملوّنة والفنادق البوتيكية واشجار البرتقال والليمون, وكان الورد الجوري المتفتّح بكثافة يطل عليّنا من وراء الأسوار أو أمامها كيدٍ تلوّح بالتحيّة.

ضاق الشارع الرئيسيّ, وتفرّعت منه أزقّة مسوّرة بالحجارة, بالرغم من أني أتبع خرائط قوقل إلا أني سألت أحد المارّة عن مطعم دي باولينو فقال بلغة شاعريّة مرهفة, أو ربما هي اللغة التي يتحدثون فيها هناك لفرط ما يهذبهم الجمال, قال: اتبعي أغصان عريشة العنب ستقودك لمنزلٍ يعرّش على جداره الياسمين, مدخل دي باولينو قبالته. وكان الطريق أجمل من الوصف.

طريقٌ حجريّ ضيّق, تتشابك فوقه وتتعانق أذرع عرائش العنب. عبرها, يتسلل نسيم البحر, يحمل معه عبق الياسمين وانتعاش أزهار الليمون ورائحة أوراقه الطريّة, ان مررت هنا ذات يوم, أغمض عيّنيك, اصغِ لغناء الطير وهدير الموج وصافرات المراكب في وداعها للميناء البعيد, أملأ أنفك ورئتيك وروحك من هذه الرائحة التي لن تغشاك في مكانٍ آخر.

حمدت الله أنني لم أتراجع عن الذهاب إليه ولم اصغ لتحذيرات العم قوقل, استقبلنا المطعم الذي كان خاليا من الزوار تماما وممتلأً بأشجار الليمون, وتلك ميزة رهيبة لاتقاط أفضل الصور والتمتّع بالهدوء – الذي لن تتمتع به أبدًا ما دمت بصحبة ثلاثة أطفال –  .

” لقد سافرت كثيرا, زرت العديد من الأماكن المدهشة والجميلة والتي كنت أتوق شوقّا للوقوف بها, ولكن, مثل هذا المكان لم ازر أبدًا, مكانٌ يجعلك تشعر أنك تسافر للمرة الأولى ” قلت ذلك للنادلة التي استقبلتني مسرورةً بدهشتي وعيناي اللتان تحدّقان في كل زاوية وركنٍ وليمونه.

ما يزيد عن مئة وثلاثين شجرة ليمون, تنبثق من الأرض متجاورة, تم تهذيبها بحيث ترتفع على أعمدة خشبيّة لتظليل المكان, لسقّفه, لتحويل السماء فوق الرؤوس لسماءٍ من الليمون تتدلى ثمارها على الطاولات وأماكن العبور, تسيل بجانب اذ تسير بجانبها, تلامسك وتهطل عليّك.

يحتفي المطعم بالزوّار في المساء, يهديهم أمسياتٍ استثنائية وأطباقٍ منكّهة بليمون بستانه, يبدأ باستقبالهم من السابعة مساءً حين يكون قد انتهى الطهاة من تحضير قائمة العشاء, عندما وصلنا كان التجهيز لم يبدأ بعد, لذلك لم نستطع الاختيار من القائمة, بل اقترح عليّنا النادل الأطباق التي يستطيع تقديمها, كان ألذها طبق الميلانزاني, الباذنجان المشوي والغارق بصلصة الطماطم والحبق, تعلوه جبنة البارمزان مع إضافة عصرة من الليمون الذي اقتطف لتوه من الشجرة, يضفي نكهة البستان على الطبق.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s