بيت البترون

البترون ليست ضيعة، بل مدينة ساحلية ، تنحدر من الجبل الأخضر باتجاه مينائها الممتد في البحر المتوسط، وفي طريق الجبل لالتقائه بالبحر، نُحت بيت البترون على كتفه القريب من الزُرقة، بيتٌ حجري، على مرتفعٍ تسترق نوافذه النظر إلى السماء والبحر والأشجار, في الليل موسيقاه هدير الموج القادم من بعيد وحفيف الأغصان التي تلامسها الريح خلسة, في الصباح تسكنه الشمس، يبتهج حين تشرق، تزيده بياضاً وسطوعا، بيتٌ مشرّعٌ للنور، لفرط ما يملؤه تخال جدرانه من البلوّر الشفيف لا الحجر.

قوسان مرتفعان, يحفّان الليوان الرئيسي من شماله وجنوبه, كبوابتان عظيمتان ينهمر عبرهما الضياء, القوس الخلفي يفضي لحديقةٍ سريّة تشبه عالم ألس في بلاد العجائب, حيث أعادت السيدة كولييت مالكة المنزل ومصممته تدوير العديد من القطع وتحويلها لأحضانٍ تنبت الأزهار والشجيرات بداخلها, حذاء بلاستيكي, قاعدة كرسي قديم, اناء خزفي مشروخ, وقدر نحاسي صدىء, كل تلك الأشياء عديمة القيمة بالنسبة للسوق, تحوّلت في حديقة بيت البترون إلى حدائق صغيرة.

السيدة كولييت التي قضت جزءً من حياتها في الترحال, والاهتمام بالحرف اليدوية , الفسيفساء والخزف على وجه الخصوص, صبت شغفها في بناء هذا البيت, أشرفت عليّه حجرا حجرا, لم تستعن بمصمم بل صبّت في مكوّناته رؤيتها الخاصة التي تشبه لوحًا فسيّفسائيّ ضخم, اللوح الذي جمعت حجارته الصغيرة من الأسواق الشعبية في الاسفار, وأسواق الانتيك في بيروت وطرابلس وبعض من متعلقاتها الشخصية القديمة, القطع مختلفة, تنتمي لثقافاتٍ عدة, تعبّر عن التنوّع والمخالطة, أكواب انجليزية, طاولات من الخزف الصيني, شمعدانات نحاسية مصقولة في الهند, سلال من القش وأقفاص عصافير من خشب الخيزران.

اللون الأساسيّ في المنزل هو الأبيض, البيت يبدو كصفحة بيضاء شاسعة لم تُسكب الألوان عليها بإسراف, بل بضربات مدروسة ومتقشفة من ريشة الفنان/ريشة السيدة كولييت, التي حافظت على أكبر قدر من الأبيض في الحوائط وأقمشة الأرائك, وطعّمتها بالقطع الفنية.

في الصالة التي تتفرع من الليوان, تهبط من السقف أرجوحة طويلة مربوطة بحبالٍ غليظة كأنها معلقة في السماء, تضفي على المنزل لمسة عجائبية.

جنينة البيت مزروعة بأشجار السفرجل والتين والليمون والرمان والزيتون، والبيت امتدادٌ لجنينته، أسمت كولييت الحجرات على أسماء الثمرات، الحجرة التي نزلنا بها كان اسمها ” زيتونة” حيث تقف شجرة الزيتون قبالة بابها الخشبي, جارتنا كانت ” تينة” أما غُرَّفتيّ “رمانة” و” ليمونة” كانتا مغلقتان حيث يتم استخدامهما بشكل خاص لإقامة كولييت وأبنائها , في الجانب الآخر من الحديقة غرفتيّ “بلوطة” حيث تنتصب شجرر صنوبرية طويلة و”عريشة”, تُظلل الدرج المفضي إليها عريشة عنبٍ تُدلي عناقيها على كتف الجالس في البلكون.

في استقبالنا كانت السيدة أسمهان القادمة للمساعدة في خدمة الضيوف في بيت البترون من وادي خالد, تحمل مسحة من سُمرة الصحراء, كأنها عجنّت من طينها, أخبرنا الشوفير بأنها طاهية ممتازة, لكن للأسف الليلة الوحيدة التي قضيناها في ضيافتها لم تسمح لنا بالتمتّع إلا بأطباق الافطار من تحت يديّها، أسمهان عرّابة النكهة في البيت قدمت لنا الفول والبيض ومربى السفرجل المقطوف من أشجار البيت والخبزالدافئ المعجون بالزعتر، يداها مباركتان، باركت إفطارنا في تلك الصبيحة، أقمت به في بدايات الخريف، كانت التفاحات الحمراء واليقطينات الذهبية والرمانات المكتنزات من انتاج الحديقة الخلفية، تتوج موسمها على طاولة الطعام طوال اليوم.

الغرفة في بيت البترون صُممت بذات الفلسفة التي يقوم عليها البيت, البساطة والكفاية في الجمال, الجدران بيضاء وأرضٌ مفروشة ببلاطٍ قديم, نافذة خشبية صغيرة مغطاة بستارة من الدانتيل تهب الغرفة الضياء بوفرة في الصباح, كرسيان أشبه بكراسي المقاهي العتيقة تتوسطهما طاولة زيّنتها السيدة كولييت بلوحٍ فسيفسائيّ, والسرير بلا تفاصيل, كغيمة تطفو في سماء الغرفة, أما باقة الأزهار التي وضعت على منضدة القهوة والشاي, كانت عبارة عن أغصان من شجرة الزيتون.

ضيافة البيت عند الوصول : شراب الورد

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s