تونس العتيقة : الحايك والشاشية

الحايك/السفساري :

*اللباس الذي تلتفع به المرأة التونسية، يشتهر بالقيروان، وتستخدمه الشابات اليوم كغطوة حين الذهاب لحمام العروسة.

أسلم قلبك للمدينة، اتبع اشاراتها، لا تخشى مفاجآت الطريق بل ترقبها، المدينة ستومئ لك، ستحارشك وتشعل حواسك، قد تغازلك ببخة عطرٍ من زهرةٍ على إحدى أشجارها، تفاجئ بصرك بمنظرٍ بديع بعد زقاقٍ ضيقٍ ملتوٍ، أو تدندن بصوتٍ شجي لتسترعي انتباهك، كل ما عليك أن تكون مستعدًا، أن تستجيب.

في تونس القديمة، يسمون الدروب والأزقة ” نهج ” كنت قد سلكت نهجًا استدرجتني فيه خيوط الحرير المعلّقة بين جدارين على حبلٍ رفيع، ألوانها مشعة، تلتهب تحت ضوء الشمس لتجف بعد أن بُللت بالصباغ، انصعت لغواية اللون، تبعتها لتقودني للحائك في محرابه، يتعبّد ويخدم على النول، تحيط به بكرات الحرير الملفوفة على عيدان الخشب، والمثبّتة على الألواح، تحيط به القطع التي حاكها ودفاتر طلبات الزبائن، ويحيط به الزمن، في الورشة التي تخلّقت بالعام 1885 فورثها عن أبيه عن جده عن والد جده.

انصعت لغواية خيوط الحرير التي كانت معلقة قبالة باب الورشة حيث العامل بداخلها منهمكٌ يشد النول ويرخيه، في حركةٍ أزلية، يغزل خيوط ” الحايك ” يؤلف بينها، يرصّها، يجمعها، يبنيها ويلحمها كذكرياتٍ أو سنوات في حياةٍ مديدة.

في حديثه معي، غلبته طباعه البشرية بالرغم من حرفيته وخبرته، سها أو ربما أخطأ، لونُ شاذٌ على النقش أفلت منه في النسيج، بالرغم من أنه كان قد أهدر وقتًا وجهدًا وخيوطا، إلا أنه أعاد فك ما غزله، أخرج ما شاب نسيجه من خطأ وعاود عمله، استأنفه وأكمله، اعتذرت منه على المقاطعة فلم يعجبه اعتذاري واحساسيَ المُخزي بالذنب اتجاه افساد عمله، رد برحابةٍ : لا باس اختي لا باس، مرحبا بيك، أكرمني بكأسٍ من الشاي ولفّ لي قطعًا ابتعتها وقد خرجت من تحت يداه، بنصف سعر القطع المعروضة في السوق، خرجت وأنا أتأمل الخيط الذي حاد عن موقعه فأفسد انسجام النسيج، كم من حَدثٍ في حياتنا قد يكون مثل ذلك الخيط، بمجرد أن يزول، تستعيد الحياة انسجامها وجمالها.

الشاشية : الطربوش التونسي

اكملت طريقي باتجاه سوق المدينة، إن أردت الوصول لسوقها، لقلبها، عليّك أن تتبع طريق الجامع، والجامع سُرّة المدينة، حوله تلتف الأسواق ومنه تتفرّع الأنهج، نقطةُ ارتكازها هُو ومبتغى وجودها، اتبع الطريق لجامع الزيتونه.

حين وصلت للجامع كانت الدكاكين تلتف من حوله ابتداءً من دكاكين الكُتبيّة، ثم العطارين ثم باعة الثياب والتحف والحلويات انتهاءًا بالنحاسين، وهكذا، تصطف المحال وتتعاقب احترامًا للجامع، في مقدمتها دكاكين الكتب التي تخدم طلاب العلم في الزيتونه وتليها دكاكين العطور التي تطيّب الطريق إليه وتبتعد عنه الورش التي تسبب الضجيج أو تنتج عنها الروائح كورش الدباغة أو الحدادة، والتي تكون في الطرف القصيّ من السوق، أبعد ما يكون عن حُرمة الصلاة والعلم.

لفتني في دكاكين السوق، الطريقة التي زّيّنت بها أبوابها ومداخلها، كانت تبدو كنصاديقٍ خشبية، ملونة، منقوشة، مزخرفة ومتجاورة، اجتهد كل مالكٍ لإلباس دكانته الثوب الأجمل.

وحين بلغت سوق الشواشين الذي بناه حمود باشا الحسيني في القرن الثامن عشر تاهت عيناي بالجمال الذي تدفّق عليها بغته، وبينما رحت أهيم بين حوانيته، أقلّب طرفي في ألوان ونقوش الواجهات الخشبية الزاهية، أتلمّس البارز منها وأتأمل رسومها، بلغني صوتٌ رخيم من داخل إحداها : ” إجي بنتي إجي،مرحبا بيك ” هكذا دعاني إليه المعلّم محمد البليش، إلتفت ورميّت إلى الداخل نظري، فوقع على شيخٍ وقور، وضّاء المحيا، خفيض الصوت،يعتمر شاشيةً صوفيّةً بيضاء، وجبّةً رمادية، ولجت وإذ بقدماي تطآن الزمن وإذ بي بالعام الهجري 1343 كما تشير شهادة ميلاد الدكان المعلّقة كمفخرة في أوسط واجهته.

دعاني الحاج محمد وحيّاني، كان باب دكانه مفتوح كما هو حال كل أبواب المدينة، حيث الترحاب فائضٌ على الدوام والرغبة الصادقة بتبادل المودةِ والمعرفة، ” إجي بنتي إجي تشوفي كيف نخدم الشاشية ” .

وأخرج لي قطعةً كبيرةً من الصوف، بيضاء فردها أمامي ودعاني للمسها، وأشار بأن هذه القطعة الضخمة هي هي، هذه الشاشية الصغيرة، أدهشني الأمر فراح يشرح مراحل صنعها:

” الشاشية نخدمها بالصوف، صوف العلوش، خيوط الصوف نبعثها للنسا في ديارهم، يخدموها بالأباري، خمس أباري – وأخرج لي من الدرج خمس إبرٍ طويلات – بالأباري يصنعو الكبوس، ولما يكون هكّا يُلبّد الصوف بالمَي السخون والصابون ويصغر “

وبعدها يا حاج؟

” بالمرحلة الثالثة نقردشوها، نشدو الشاشية، بعدين نلونوها، نصبغوها، كل بلد لها لون، الأحمر أكثر، بعدها عالقالب الفخار، كل قالب له حجمه ورقمه، ويدقوها تاخذ شكلها “

في سوق الشواشين، تحتفظ تونس بامتيازها الوحيد في العالم، امتياز المحافظة على الطريقة التقليدية لصنع طربوش، كما حملها معهم المهاجرين الاندلسيين قبل عقود. في أسواق المدن الأخرى، البازار الكبير في اسطنبول وخان الخليلي في القاهرة وبعض محال الآرتيزانيا في بيروت وغيرها من الاسواق التي تبيعه كسلعةٍ تجارية للسيّاح، كانت الطرابيش المعروضة رديئة الصنع، غالبّا من ورق الكرتون المقوّى وقد كسته طبقة من قماش المخمل حمراء أو عنابية، أما الشرشوب الأسود المُدلى من فوقها، فلا يعدو كونه خيوطٌ من البلاستيك، في سوق تونس العتيقة، لا تكاد تجد هذه الطرابيش، وإن وفرتها بعض المحال كسوفينير للسائح المقتصد، إلا أن غالبية المعروض وبألوانٍ وأحجام، هي الشاشية الأصيلة، الصوفية التي تنسدل منها خيوط الحرير الخالص، المخدومة على اليد، والمتوارثة في أجيالٍ متعاقبة من مُعلمي الصِنعة، تُباع للشاري حسب الأصول، يُرحب به في المكان، يُقدم له كأس التاي من مقهى الشواشين، يتبادل الأحاديث الودية، يُجرّب مقاسين أو ثلاثة من المقاسات المعروضة على قوالب فخارية متفاوتة بالحجم لحين الوصول للمقاس المناسب لرأسه، تُلف له الشاشية المنتقاة بورقٍ صقيل، توضع في عُلبةٍ كرتونية، وتُقدم بكلتا اليديّن، كهديةٍ صُنعت له خصيصًا..

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s