جبل اللويبدة، دارة الفنون ودار الأندي

إن الجلوس في هذا المكان المرتفع في أوقات مختلفة من اليوم هو حدثٌ خاصٌ بالفعل ، وتاريخ عَمّان الحافل يمتد حولك في كل اتجاه، يصعد ويهبط على تلالها السبع، وبيوتها تتناثر بألوانها الحنطية والبيضاء والترابية، إنني مأخوذٌ بهذه المدينة، عند الفجر تتدفق أشعة الشمس بين المباني الحجرية القديمة، وتطل جدران الحدائق الأنيقة من جبل عمّان وجبل اللويبدة على الأسفل، على شوارع وسط البلد المحموم البالغ النشاط، ولكن ما إن تنسحب الشمس حتى يسكن كل شيء، وتنطلق أسراب الحمائم بين المآذن وأبراج الكنائس على صوت الدعوة القديمة للصلاة حين الغروب. ” *بيتر لورن، بتصرّف.

عمّان التي تحدّها وتشكلّها جبالٌ سبع, لا تشبه المدن العربية المنبسطة، أينما وقفت فيها وأدرت رأسك، ستطالعك الأبنية والتجمّعات العمرانية متدرّجةً بعضها فوق بعض، امتدت المدينة من وسط البلد إلى جبل عمّان، وعندما أراد بعض الأكابرية والتجّار بناء قصورهم وبيوتهم الوارفة، في حيّ هادئ، بعيدًا عن جلبة وسط البلد، اتجهوا نحو جبل اللويبدة، وحملوا معهم نمط العمارة الشائع آن ذاك، عمارة البيوت المتوسطية، والتي انتشرت في حيفا وبيروت ونابلس، وجاء بها الوافدون الشوام والبيروتيين والشركس إلى عمّان حين أتوا، أو المهندسين الأردنيين الذين حصلوا على شهاداتهم من تلك المدائن.

          عندما أقصده، جبل اللويبدة، أطلب من سائق الأجرة أن ينزلني عند سُرّته التي يتشكل منها ويلتف حولها، عند دوّار باريس، الدوّار الذي استمد اسمه بفضل تجهيزاته التي حُملت من العاصمة الفرنسية، أسواره وأعمدة إنارته وكراسيه، ونافورته وطريقة تخطيط حديقته وفقًا لقواعد البستنّةِ للحدائق العامة في فرنسا، ورعته وافتتحته السفارة الفرنسية في عمّان.

          من دوارِ باريس، اسلك أي طريقٍ رغبت، أينما حملتك قدماك وأخذتك خطواتك سترى الفيلات الأنيقة بحجارتها الزهرية وأسوارها الخفيضة التي تسيل من ورائها أذرع الياسمين تمتد للغرباء كدعوةٍ للمصافحة، سترى السكينة تخيّم على الطرقات المرصوفة بالمحترفات الفنيّة ومشاغل التطريز والخزف ودكانات الأنتيك العتيقة و المسارح الصغيرة والتجمّعات الثقافية مثل روابط الكتّاب والمصورين والتشكيليين والفنانين.

          لا تطل البحثَ ولا تعدّ جدولاً لقضاءِ نهارٍ رائق في جبل اللويبدة، كل ما عليّك هو ان تضيع فيه سيّرا على قدميك، تلك هي الطريقة الأمثل للتعرّف عليه ومجالسته وتبادل الذكريات معه.

          اصعد الأدراج التي تصل طرقاته ببعض، ألقِ التحيّة على زوجيّن يشربان قهوة الصباح في حديقة منزلهما بين أشجار المندولين والكينا التي زرعت فيه بكثافة واشرب الشاي أو الليمون البارد في المقاهي التي ابدعت فيها اللمسة الشبابيّة، ركوة عرب بجلسته التي تحاكي شكل الضيّعة بأزهارها واشجار مخلب القط المتسلقة فوق طاولاته أو لوركا بجانبه الذي تكتسي جدرانه بالكتب والرسوم الكاريكاتيرية.

مقهى ركوة عرب

          تسكّع هناك بمفردك ولن تشعر أبدًا بالوحدة، كل الأبواب فيه مفتوحة، وكل دكانةٍ ومطعم ومشغلٍ وورشة يشغلها صاحب المكان وصاحب الصنعة، يستقبلك بشغف، كمن يستقبل صديقًا حميم، بدأت تلك الحركة الثقافية في الجبل وتحويل بيوته إلى محاضن ثقافية في التسعينيات، ومنذ ذلك الحين وشوارع تُسمى بأسماء الأدباء والفنانين، شارع جرير، شارع الفرزدق، شارع ابراهيم طوقان وشارع المتنبي.

          لو أن مثقفًّا أو فنانًا أراد أن يتخيّل شكل الجنة، لربما تخيّلها على شاكلة جبل اللويبدة.

دارة الفنون

          أربع بيوتاتٍ عتيقة، متجاورة،مشيّدة بواسطة العائلات السورية والأردنية والبيروتية والفلسطينية، تربو على سفح جبل اللويبدة وتطل على القرية الشركسية القديمة في جبل عمّان المقابل، معبدٌ رومانيّ قديم بنيّت على أنقاضه كنيسة للقديس جرجس في القرن السادس الميلاديّ وغابة من الأشجار المعمّرة، الرمان والزيتون والورد البلديّ، هذا هو المشهد المُسكرّ الذي تستضيفك فيه دارة الفنون،مؤسسة خالد شومان، المجمع الثقافيّ الأبرز في الأردن.

          كلٌ بيتٍ يحمل حكايته وتاريخه وذاكرته، انضمت البيوت تباعًا على مدى سنوات إلى مباني دارة الفنون، تحوّلت من دورٍ خربةٍ منسيّة، إلى مكتبة ومعارض ومراكز بحث وغرفاتٍ لاستضافة الفنانين واقامتهم، بفضل السيدة سُهى شومان وفريقها المعاون من مثقفين ومهندسين وفنانين يروّن في مدينتهم جمالٌ لا بد من الحفاظ عليه والتمتّع به ومشاركته مع الآخرين.

بالرغم من أن الدارة بدأت وتوسّعت من الأسفل للأعلى، إلا انني دخلتها من اعلاها، من السور الكونكريتي الرماديّ الذي يخفي بحداثة تصميمه الحكايات القديمة التي تقبع خلفه.

فور عبوري استدرت يمينًا باتجاه البيت الحجري ذو القناطر المقوّسة والشبابيك الخشبية المطليّة بالأخضر الذي بناه عبدالحفيظ عيتاني وأطلق عليه اسم ” البيت البيروتي ” حنينًا لمدينته التي أتى منها ليستقر في عمّان بداية الثلاثينيات، تشرف على مدخل البيت شجرة صنوبر عملاقةـتلقي بأكوازها على الأرض وتحملك لبيوت جبل الشوف في لُبنان، أما دفتيّ شبابيكه الكطلية بالأخضر، فتجاورها ثمرات النارنج المتوهجة الناضجة، وأزهارها المتفتحة الفواحة، كان البيت من أوائل البيوت التي نقلت النمط البيروتي في العمارة إلى الأردن، النوافذ الواسعة والشمس وبلاطات الأرض المعتّقة، المزخرفة كسجّادةٍ بديعة.

          البيت البيروتي بعد ترميمه تحوّل لصالاتِ عرض وغرفة سينما، كانت جدرانه في أثناء زيارتي له تحتفي بأول مصوّرة فلسطينية ” كريمة عبّود ” ومجموعتها الواسعة من الصور الفوتوغرافية التي أرّخت للحياة في داخل البيوت الفلسطينية والتقطت العديد من الصور الحميمية الخاصة، كوّنها امرأةـ سهّل ذلك دخولها للبيوت والتقاط اللحظات الاجتماعية في الداخل.

          وقفت كريمة مطوّلا خلف آلة التصوير، اختبأت تحت الغطاء الأسود وحفظت بفضل شغفها ذاك تفاصيل الزمن التي لولاها لما وصلنا شيئا من جمالياتها، تعلّمت التصوير على يد مصورٍّ أرميني حيث امتهن الأرمن مهنة التصوير في العديد من البلدان العربية وافتتح الاستديو الخاص به في القدس، أهداها والدها آلة تصوير وافتتحت بعد ذلك الاستديو الخاص بها، راحت تصوّر العرائس والفتيات والأزياء والبيوت وتركت إرثًا هائلا من الألبومات، وقد أرّخ الكاتب الفلسطيني الكبير ابراهيم نصر الله حكايتها مؤخرًا في روايته ” سيرة عين ” والتي صدرت ضمن ثلاثية الأجراس.

          قضيّت وقتً طويلاً في غرفات البيت البيروتي، أتمعّن في الصور المعلقة على الجدران، والزمن الحبيس بالأبيض والأسود، صور العائلات والنساء والأطفال، المدنيّات بفساتينهن الراقية والفلاحات يحمل الجرار على الرؤوس، بورتريهات لرجالات المجتمع و مجموعة من الصديقات بشعورهن القصيرة حسب موضة العشرينيات، أما الصورة الأجمل فكانت صورة كريمة بجانب آلة التصوير التي التقطت الذاكرة الأرق لفلسطين.

          غادرت البيت البيروتي بعد أن شاهدت الفيلم الوثائقي الذي يحكي سيرة حياتها في احدى غرفاته، واتجهت للبيت الأزرق، البيت الذي شيّده اسماعيل حقي باشا الوالي العسكري لعكّا بواسطة عمّالٍ من الشركس، أمامه بحرّةٌ تهب المكان موسيقاه وتبرّده حين تسقسق في الصيف، وأزهار الجوري تتسلّق على القضبان الحديدية لشبابيكه المطليّة باللون الأزرق والتي وهبته اسمه،كان في البيت مكاتبٌ للعاملين في الدارة ومعرضٌ لتاريخ الصحافة الفلسطينية.

          دار خالد، بيتٌ ضُم أيضّا لبيوت الدارة، وأخذ اسمه تخليدا لخالد شومان، بنته عائلة عبدو في العشرينيات وسكنه شاعر الثورة العربية الكبرى فؤاد الخطيب، إلى أن استأجرته الحكومة الاردنية في الخمسينيات كمقرٍ لرئيس الوزراء سليمان النابلسي، عُرضت في البيت لوحات الفنانة الأردنية من أصول تركية فخر النساء زيد، وهي الفنانة التي تتلمذت على يدها سهام شومان.

          أما أجمل بيوت الدارة، والتي ابتدأ منها تحويل هذا الحي التراثي المليء بكنوز العمارة والتاريخ إلى دارة الفنون, فهو البيت أسفل الدرج الحجري الطويل، الذي بدأ ببنائه عمدة السلط في عام 1918 وعاش فيه إلى أن أصبح في نهاية الثلاثينيات سكن القائد البريطاني للجيش العربي، زاره لورانس العرب وذكره في مذكراته، بعد تعريب الجيش اصبح المبنى الأنيق المبني على طراز قصور البندقية حسب الموضة السائدة في مدائن الشام المتوسطية ذلك الوقت، بيروت ويافا وحيفا ناديّا للضباط الانجيز، هُجر في السبعينيات إلى ان استملكته مؤسسة شومان ورممته وأصبح مركزها الإداريّ.

          يتحفظ البيت بدرجيّن متقابليّن، يلتفان عند مدخله المرتفع ويضفيان عليه الفخامة والأناقة، وقفت في بلكونه الدائري الواسع وتخليّت شكل الحياة الهانئة فيه قبل عقود، تخيلت جلسات الشاي واستقبال الصديقات وست البيت تطرّز المفارش على كرسيٍّ من القصب في النهارات الربيعيةّ المنعشة.

دار الأندي

ابتدأت الدور في وسط البلد، ارتفعت لجبل عمّان ثم اتجهت للويبدة، وما رس الزمن في اللويبدة لعبته التي مارسها في سابقتها من مناطق عمّان، عَتِقَت الدور ومات أربابها الأوائل، كبر الأولاد وتكاثروا وتمددت المدينة لأحياءٍ جديدة، أغوت الأجيال اللاحقة بهجرة هذه البيوت المبنيّة طوبةٌ طوبة من الجمال للأبنية المستحدثة، إن أسوء ما يمكن أن يحدث بعد هذا السيناريو أن يّهدم البيت العتيق أو يترك ويّهمل، والأرحم أن يتحول لمطعم أو مقهى يغبّش روحه ويهتك نقائها، أما الأفضل من ذلك، أن يُترك البيت على سجيّته، ويفتح أبوابه للزوار كشاهدٍ ثقافيّ على تطور المدينة وعمرانها، وهذا ما حدث لبيت الأندي، القريب من بيوتات دارة الفنون، إذ عرجت عليه بعد أن غادرتهم ، ومتّعت روحي في بلكونه المفتوح على المدى، والمدينة من أمامه في علوٍ وهبوط، ترتقي تلالها السبع وتتحدر باتجاه وسطها، بلكونٌ يشرف على الحياة وهي تضج وتهدأ في جسد المدينة .

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s