ربيع جبل عمّان : بيت نوفة وبيت أنتيكجيان

الربيع في جبل عمّان يعني أن تُزهر أشجار البيوت، أن تُرصّعها أزهار النارنج والبرتقال والليمون البيضاء الصغيرة كماساتٍ تلتمع على جيد غانية، فتتحول الطرقات إلى زجاجاتِ عطرٍ تبخ الرائحة في الأرجاء، تلف كل من يعبر بأريجٍ فواح، فتنشرح الروح وتنتشي الحواس.

قطعت الطريق في جبل عمّان نحو نهاية شارع الرينبو حيث يخفت ضجيجه وتنتهي مقاهيه، وتتبقى بعض البيوتات التي ما تزال مأهولةٌ بسكانها، غارقة بهدأةٍ وسكون، تحفها أشجار جنائنها وأسوارها المكللةِ بورد الجوري وأغصان الياسمين.

هناك في نهاية الشارع، ثلاثُ بيوتاتٍ حين يبلغها المرء، سيبلغ بدايات عَمّان.

بيت نوفه

أفكر أحيانًا، لربما كان سفري كله محاولة لتحقيق معجزة، معجزة العودة في الزمن، احياء الموتى، استحضار الذكريات، اعادة المشاهد وبعث الحياة القديمة. كل مدينةٍ أزورها، أخلع عنها رداء حاضرها، أوغل في ماضيها، أسافر خلالها عبر الزمن، أحب أن أراها كما كانت في البدء، في تكوينها الأول.

هنا، أمام السور الحجري الخفيض والذي تبسق من وراءه أشجار الأكادينيا والسرو والحمضيات، وجدت نفسي في العام ألفٍ وتسعمئةٍ واثنان وعشرون، حيث أهدى الدكتور حنا القسوس هذا البيت لزوجته الحبيبة نوفه، وقد كان الدكتور حنا سلمان القسوس أول دكتورٍ أردني يدرس الطيب وينال شهادته، أصله من محافظة الكرك، ولكنه استقر بعمّان ليُنتفع بعلمه، مُنح لقل الباشا ووسام الاستقلال من الدرجة الأولى وعُيّن وزيرًا للتجارة والزراعة في الأربعينيات.

البيت اليوم وبعد أن شهدَ تاريخًا عائليًا حافلاً بالمسرات، ودّعه الأحفاد لبيوتٍ أخرى، ولكنه احتفظ بحكايته، وأهداها للزائرين، نوفه اسمٌ مشتقٌ من الأنفة والعلو، وهو اسم والدة السيد زيد القسوس وزير السياحة والآثار في الأردن، والذي نذر البيت بكامل ذاكرته للثقافة والفن، أوقف مكتبته الزاخرة بنوادر الكتب للقراء، وفتح صالونه للموسيقى، أفرغ جدرانه لتُعلّق عليها الأعمال الفنية عند اقامة المعارض وأعاد بستنة حديقته للعابرين الذين يعطيهم الطريق حقهم من الجمال، فيتوقفون لشرب كوبٍ من القهوة حول بحرته التي يترقرق في قلبها الماء كما كانت عائلته تفعل في الزمانات.

البيت في داخله يغلب البياض، وربّته نوفه تحرسه من صورتها المعلقة على الجدار، تحفه بروحها المنسابة في بياضه، تحسّها مع الشمس الدافقة من نوافذه والريح التي تحرّك ستائره، البيت إن دخلته سيسرّك بهاءه، وإن خرج منه تسرّك حديقته، وإن جلست فيه، فكل شيءٍ حولك سيسرّك، وكأن البيوت في السابق كانت تُبنى لأغراضٍ جمالية، لا تفلت منها تفصيلةٌ صغيرة دون أن تُشكّل وتزخرف وتُطلى بما يُبهج الروح حين تقع العين عليها، على عكس البيوت اليوم، التي تؤدي أغراضًا عملية بخطوطها المستقيمة وألوانها المحايدة وتفاصيلها التي لا تهم البصر حين يمر عيلها ولا تستوقفه.

بيت سيروب أنتيكجيان

البيوت تتفاوت حظوظها، إن نجت من شبح الحداثة فهذا إما بفضل الورثة الذين يمنعهم من هدمها الحنين أو تمتعهم بثقافة الحفاظ على التراث، وإما بفضل الدولة التي تمنع المساس بها لتحمي هوية المكان وتاريخه، هذه البيوت الناجية قد تستكمل الغرض الذي بنيت من أجله، سُكنى للعائلة وامتدادٌ لإرثها الأسريّ، أو تتحول لمعارض فنيّة أو مكاتب حكومة أو مقاهيٍ ومطاعم، بيت الأرمينيّ سيروب أنتيكجيان، كان نصيبه أن يوقد النار تحت قدوره، ويطهو للزوار أطايب الأكلات الأرمينية التي كانت تُعد في البيت وتُقدم على سفرته، تحول البيت لمطعم ” سُفرة ” .

لن تشعر بالغربة حين تدخله، ولا بتكلّف المطاعم الحديثة، سُفتح بوابته الحديدية بلونها السماوي الفاتح والتي تحمل على صدرها آثار الرصاص من حرب سبعة وستين التي مرت من أمامه، ستدخل وتحيط بك حديقته المزروعة بأشتالٍ من الورد والمتسلقات، وكأن ربة البيت قد انتهت من سقيّ زريعاتها للتو، باب الصالون الأبيض الخشبيّ الأنيق، ينفتح على الأثاث القديم، الصوفة الحمراء والبلاط الذي يفرش الأرض، بعض القطع الفضيّة على الطاولة وأبجورة عتيقة وجدراية لصور العائلة بالأبيض والأسود، زفاف ابنتهم في حديقته، الأحفاد أمام البوابة وسيروب محاطًا بأبناءه وزوجته، جدارية تؤكد لك بأن كل من كان هنا، لا يزال هنا، وما أنت إلا ضيفٌ في حضرة الأسرة وكنفها.

عمّان نسيجٌ من الناس، والأرمن أحد خيوط هذا النسيج، وفد سيروب إلى عمّان هربًا من مذابح الأرمن في العشرينيات بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، كان عصاميًا بنى نفسه في هذا الوطن الجديد، افتتح محلاً للميكانيكا وبعده محلاً للأسطوانات الصوتية والتسجيلات، كون ثروته وأصبح كبير الطائفة الأرمينية، بنى بيته هذا بالثلاثينيات وظلت العائلة تعيش فيه لسبعةِ عقود، في العام 2009 تم افتتاحه للزوار كمطعم .

بيت الصابون

ليس ببعيدٍ عن بيت نوفه وبيت انتيكجيان، يوجد ” طَلعَة ” على اليسار تأخذك للأعلى ، لبضع بيوتٍ هانئة، تسمع أصوات الأسر بداخلها، وتراهم في عيشهم اليوميّ، بجانبها، وبإطلالةٍ خلابة على المدينة ووسط البلد، ينتصب بيت الصابون، لم أتوصل لتاريخه، ولكنه بعمر البيوت المجاورة له، بوابته مشرعة على طيب الرائحة، حوله زُرعت الأعشاب العطرية والأزهار البرية وأشجار الزيتون، من بستانه الصغير هذا، يُصنع الصابون والعطور بلا أي إضافات خارجة عن الطبيعة، بيد نسوةٍ يدعمهن البيت لإعالة أسرهن، طوّعن الطريقة التقليدية لصنع الصابون، والموروثة من أسلافهن من النساء لانتاج ما يُباع في البيت.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s