مرّاكش : رياض قبور الشو

وفد الكثيرون على مرّاكش، أجانب بصفاتٍ عديدة، سائحون، فنانون، مصممون، مهندسون وكُتّاب، ما عثروا عليه في هذه المدينة، لا يمكن أن يوجد في غيرها، هذه المدينة تشبع خيالاتهم الاستشراقية، والحكايات أثثت أحلامهم عن الشرق، مرّاكش بداخل أسوارها العتيقة، مدينةٌ خام، نقية، حقيقية، أناسها كما في الأزمنة القديمة، يرتدون الثياب التقليدية، يمارسون الحياة من خلال الطقوس ويتوارثون العادات.

هذه المدينة ألهمت الغرباء إلى حدٍ ساحر، فتحت أبوابها ويا للأسى بسخاء، هذا الأمر يثير الحزن والاعجاب بالوقت ذاته، الحزن : كونهم يستملكون البيوت القديمة، يبتاعونها من الورثة الذين يتركونها فارين باتجاه المدينة الحديثة، يخلعونها من ماضيها، ويقطعون امتدادها به. والاعجاب : لأنهم يبعثون فيها جمالاً من نوعٍ آخر، غالبيتهم يحملون ذات الحكاية، يُفتنون بالمدينة، يعودون لها، يبتاعون فيها بيتًا، يرممونه بالاستعانة بحرفيي المدينة وصنايعيتها، يستضيفون فيه بعض الاصدقاء ويحولونه بعد ذلك لنُزل ضيافة.

إنني هنا في مرّاكش مجددًا، للمرة الثالثة، وتفترسني الحيرة ذاتها، أين أسكن، أين أغرس قلبي في هذه المدينة الملأى الملأى بخيارات السكن الرائعة، لديّ أربعةُ ليالٍ، قسمتها على ثلاث رياضات، في كل مساء، كنت بعد أن أعبُّ من جمال الرياض الذي قضيت فيه ليلتي، أحزم متاعي وأغادره للآخر. وكانت ليلتي الأولى في رياض قبور الشو، قد تستغربون الاسم كما استغربته، سألت العامل المغربي الذي استقبلنا عند بداية الدرب الذي لا تدخله السيارة ليساعدنا على الوصول ويحمينا من الضياع في متاهات الدروب الضيقة المتداخله، سألته ما معنى اسم الرياض ؟ قبور الشو؟ أشار إلى يمينه، إلى بوابةٍ ضخمة : هادك على يمينك بوابة لِقبور، تنسميها قُبور الشو، وهِي قِريب ع الأوتيل ! شكرته على معلومة قرب المقابر منا، ضحكت وقلت له باستغراب: بس الاسم مخيف ! فرد: دابا في مرّاكش رياضات بالزاف، انتهت الأسامي، ما عاد كاين اسم يتسمى فيه الرياض، وضحك.

حين بلغته، واجتزت بوابته، تبدى لي اختلافه التام عن الشكل التقليدي للدور في مرّاكش، لم يكن مفروشًا بالزليج ولا مسقوفًا بالجبس والخشب، لم تكن بقلبه نافورة ماءٍ منتصبة ولا تظلل فناءه شجرة برتقال، كان بلا زخرفٍ زائدٍ ولا بهرجٍ من الألوان، لم يكن رياضً مستوحًا من القصور وبيوت الأعيان، بل كان أشبه ما يكون بواحةٍ صحراوية، مكسوٍ بلون الرمال الأحاديّ، وموشّى بأغصان النباتات، مالكاه البلجيكيان جاك ونيكولا، جعلاه يبدو كواحةٍ تخضوضر وتُعشب في وسط المدينة القديمة.

نيكولا مهندسٌ معماري، طُلب منه زيارة مرّاكش لانجاز عملٍ ما، فأحكمت المدينة قبضتها على روحه وسلبت عقله، أقام بها فترةً من الزمن لحين انهاء عمله، ولكنها أقامت في قلبه اقامة دائمة، في زيارته التالية طلب من صديقه جاك – الرحّال ورجل الأعمال – مرافقته إلى مرَاكش، فوقع على جاك ما وقع على نيكولا، فقرر الصديقان شراء منزل والاستقرار فيها.

ابتاعا المنزل وأقاما فيه فترة من الزمن، إلى أن رأى نيكولا أن يهدمه ويعيد بناءة وفقًا لرؤيته المعمارية الفنية وشغف صديقه جاك بالمدن المشرقية التي زارها، في الرياض المُعاد بناءه شيٌ من الشام ومن الهند ومن مصر واسطنبول، ملامحٌ شتّى متجاورة في وجهٍ أمازيغيّ، جَمعٌ من الطُرز الفنية، صيغ على يد المهندس البلجيكي، فأنتج تحفةً لم أرى لها في مرّاكش من مثيل.

الإفطار في فسحة المنزل

القهوة في عصرونيته

غرفاته:

حدائقه المعلّقة :

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s