بيت ستي ومطبخ نجلا : إحياء ذكرى نكهات الجدة

بيت ستي

” هاي صورة جدتي وهي صغيرة, وهذا هو البيت من ورا شوفي جدتي واقفة وجنبها زوجها, جدي, وبهالصورة جدتي بتطرّز, كانت الله يرحمها بتحب التطريز, لما كنا صغار, كنا نيجي على بيت ستي نطبخ معا الأكل العربي, كانت بتجهزو لجدي بتعبيه بالسفرطات وترسلو لدكانتو بوسط البلد, وبعد ما ماتت، تعرفي احنا العرب ما نحب نسكر، نتشاءم لما الشي بيروح، صار بدنا نخلي ذكراها، بدنا نخلي بيتها مفتوح للناس”

وراحت ماريا حداد تشير لي على الصوّر المعلّقة على الجدران والموزّعة في أركان المنزل وتسهب في الشرح وسرد الذكريات واستحضار الأيام الخوالي عندما كان هذا البيت يمتلأ بلمة العيلة وحنيّة الجدة.

          كنت محظوظة إذ التقيتها في الزيارة الثانية للمنزل, ماريا حداد التي ابتاعت ذاكرتها, ابتاعت المنزل الذي لعبت على درجاته في طفولتها ونامت فيه على حضن جدتها وتطفّلت عليّها في المطبخ وهي تعدّ أطايب الطعام.

          لم تغادرها رائحة التوابل, الكمون والدارسين وجوزة الطيب, لم تغادر لسانها لسّعة السمّاق الذي تضيفه سِتّا على وجه أطباقها ولا حلاوة الرز بالحليب بعد الانتهاء من تناول أطيب مألوبة جاج في العالم، أرادت ماريا أن تحيي تلك الوصفات التي طُهيّت على موقد هذا البيت، أن تُشاركها مع ضيوف مطعم ” بيت ستي “.

          لم تحوّل ماريا البيت لمطعم في المفهوم السائد، بل حوّلته لمكانٍ يتيح للزائر تجربة الطهو وفقّا لتقاليد ومذاقات المطبخ الأردنيّ، على طريقة الجدّات، ولجهلها بأساسيات الطهو بعد أن قضت جزءًا من حياتها في الغربة استعانت بربّات البيوت المعتّرات لتساعدهن على إعالة أنفسهن وأسرهن وليساعدنها بدورهن في تعليم الزوّار كيفيّة إعداد المحشي أو الفريك أو صينية الكفتة وصرر الأوزي.

          البيت ” بيت ستّا لماريا ” بُنيّ في بدايات الخمسينيات، عندما بدأت ملامح الأحياء السكنيّة الحديثة تتشكل في جبل اللويبده، يربو البيت على مرتفع،ويطلّ على الأبنية والبيوت، صالونه عبارة عن قطعة من الزمن، أعادت ماريا تأثيثه بالحنين، ووزّعت في جنباته قطع أثاثٍ مسكونةٍ بذاكرة العائلة, ولعل أبرز ما سيمس قلّبك فيه هو طقم الأبيسون الذي حاكته جدتها بيديّها لجهاز عرسها، برسمٍ فرنساويّ يصوّر حكاية روميو وجولييت، بلونٍ ازرقٍ وإطارٍ خشبيٍّ باهت، طقمٌ للجلوس، يحتفظ بذاكرةٍ هائلة من الجلسات العائلية والأحاديث وكبايات القهوة.

          خلف طقم الأبيسون, جدراية من الصور، يختلط بها الأمس البعيد بالأمس القريب، متحفٌ معلّقٌ على الجدار، سجلٌ للحظات الحلوة التي مرّت على البيت، مُزجت بها صور أهله الذي سكنوه, وضيوفه الذين عبروا به وشاركوا بالطهو وتناول الطعام على مائدته.

          احتفظت ماريا أيضا بجهاز الفونغراف الذي تهدر منه الموسيقى في الجلسات العائلية الهانئة وجهاز الراديو الذي لطالما صدح بالأخبار، كما أبقت على طاولة الطعام العتيقة، خزينة النكهات ومنضدة الموائد الشهيّة، احتفظت بكراسيها ذات الظهور المقصّبة بأعواد الخيزران على الطراز القديم، وبطقم الصدف المكوّن من مراية كبيرة وكرسيّين .

          البلاط البلدي على أرضيّة الصالون وزاوية السفرة على ما كان عليّه في الزمن القديم, يضفي الأناقة برسوماته وتدرجات الرماديّ.

          الأبواب والشبابيك مطليّة بالأبيض، مغطاة بستائر الدانتيل والطاولات وضعت عليها مفارش مُحاكة من التريكو، وكأن البيت لم تغادره الجدّة، وكأن روحها تحرسه، تغمره بالحب والحنان والرعاية، نفضت ماريا الغبار عن أشياء جدتها وتفاصيلها الصغيرة، عن هاتفها الثقيل وأبجورتها الأنيقة وأفاريز صورها النحاسية، أعادت الحياة لأشياءٍ ماتت منذ زمن.

          كان البيت صغيرًا, بسيطًا، من طابقٍ واحد، تنفتح أركانه على بعض، إلا أن الحميمية التي تفيض من جنباته والشمس التي تغشاه من كل شبّاكٍ وباب، والتوزيع العفويّ للأثاث فيه, هو السر الذي سيجعل منه أحد البيوت التي ستشتاقها على الدوام، كما يشتاق أحدنا لبيته.

          ولأنك هنا، الشف والزبون في الوقت ذاته، طهّر يديّك وشمّر أكمامك، أرتدِ مئزرة المطبخ واتبع الحجّة أم ريم إلى حديقة المنزل وشرفته، حيث نصبت الطاولات استعداداً لدرس الطهو.

          سنعد اليوم مقلوبة الدجاج، سلطة الفلاحين، متبل الباذنجان وللتحلية، سنعد العصمليّة، البيت يفتح أبوابه عندما تطرقها وتقوم بالحجز، في اليوم الذي اخترته، كنت ضمن مجموعة من الأصدقاء الأجانب جاؤوا للتسليّة مع صغارهم، كان المكان محتشدّا بالضحكات والمرح والتعليقات التي لا تتوقف.

          أم ريم, كانت سيّدة المكان, كجدّةٍ طيّبة ممتلئة الجسد خفيضة الصوت وبأيدٍ يزيّنها المصاغ، يُسمع رنينه مع كل حركة، تحنو على الصغار في تعليمهم طريقة تقطيع البندورة أو تقشير الباذنجان، وتشرح بالعربيّة أنواع التوابل والبهار، يترّجم كلامها شابٌ خفيف الظل، بشعرٍ طويل مظفور على طريقة الهيبييز، هدوئها ووقارها وابتسامتها الخجلى مع كل كلمة إطراء, ينبئ عن روحها الشفيفة الشاعرة، تنهمك في كل خطوة من خطوات إعداد الطبق، تهتم بتفاصيله، بخلق نكهته بكل ملعقةٍ صغيرة تسكبها في قلب الطنجرة أو رشةٍ ترشها كالسحر لإضفاء المذاق.

          بعد الانتهاء من الطهو، بدأنا بتنسيق المائدة، ملاعق وشوك فضيّة، عصير الليمون المنعش بالنعناع في كؤوسٍ زجاجية وصحون من الخزف الفلسطينيّ منقوش بالأزهار البرية باللونين الأبيض والأزرق والذي تشتهر صناعته في مدينة الخليل.

          قُلبت طنجرة مألوبة الجاج، سُويّ المتبل وسُقيّ وجهه بزيت الزيتون، رُش بالسمّاق وحُضّرت السلطة، وكما لو أن العائلة تلتم بعد شتات، جلسنا على المائدة، مائدة بيت ستّي، البيت الذي يعود للحياة كلما قُدمت الدعوة للمائدة فيه.

ما زهر :

عدت للبيت مراتٍ عديدة بعد ذلك، أجملها كان عندما عدت له بالربيع، كانت أشجار النارنج المحيطة مدخله مكللة بالزهر، محمّلة بالعطر، تبخّه بالأرجاء، تعطر الهواء وتنعشه، وكان عبورها ودخول البيت أشبه ما يكون بدخول زجاجة ” ما زهر ” كانت ماريا تجمع الزهرات الالبيضاء الصغيرة فور تفتحها لألا تصّفر وتجف، تكون حينها نديّة ومكتنزة، مُشبعة بالزيت والعطر، تستخلص روحه، تقطّره في جهاز التقطير وتعبئة في زجاجاتٍ لتهبه زوار البيت، تضعه في دكانته الصغيرة حيث المونة تُحضّر كما لو من يديّ الجدة، ابتعت زجاجتي، وحملت معي روح البيت ومضيت.

مطبخ نجلا

       مهلاً, ذاكرة الجدة, لا تنتهي هنا، بل تمتد في الطابق الأرضيّ من البيت، بعد أن امتلأت بالطيّبات وغمرني الطابق العلويّ بمسرّاتٍ عديدة، غادرت عبر البوابة التي تفيض أمامها شجرة جهنميّة مزهرة بكثافة، نزلت الدرجات إلى ” مطبخ نجلا ” خالة ماريا، احتفظت بالجزء السفلي من البيت، وبوصفات والدتها نجلا بشارات ونَفسِها بالطبيخ، قاومت الغياب بالطهوـ وأعادت احياء الوصفات كقرابين للحنين.

           فتحت الصالون كمضافةٍ للباحثين عن مذاق الماضي، عن الأطباق المحضّرة بحنيّة وحب، وخصصت ركنًا لاستعادة تفاصيل الأم الغائبة، وقفتُ أمامه، الركن الذي عرضت فيه مقتنيات أمها الراحلة كسردٍ صامتٍ لتاريخٍ حميم، وقفت أمام الروب الحريري العرائسيّ بلونه السكري الفاتح، زجاجة البارفان وعلبة البودر العتيقة من ماركة كرستيان ديور، حقيبة اليد الخضراء الصغيرة والمفرش الذي اشتغلته بيديّها، يا للجمال والرقة.

إلتقيتها على فنجان قهوة، بينما أهم بالنزول من الطابق المُتحفيّ، بشوشة وودودة، استهلت إذ عرفت بأنني من كويت، حيث قضت جزءًا من حياتها الزوجية هناك، حدثتني عما تطهو وما تفعل وومن ضمن الحديث قالت ” درست التصميم الداخلي ولكني شُغفت بالطهو ” فافتتحت هذا المطعم، قلت لها أين ذهبت الشهادة؟ ابتسمت وقالت هون، شوفي أنا صممت المطعم، وفعلاً، كان تصميمه جميل، ينم عن ذوقٍ ودراية.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s