تحت شمس توسكانا : الطهي في المزرعة

” تحت شمس توسكانا “

          قرأتها قبل سبع سنوات, في عام 2011 , سيرة السيّدة الأمريكية فرانسيس مايز التي هربت من ناطحات السحاب للعيش في الريف الإيطالي, ابتاعت منزلاً حجريًّا متهالكًا هجره مالكه قبل ثلاثين عام وتركه للأتربة والزواحف والمطر.

          أعادت بنائه وترميمه بمساعدة العمّال المحليين, أثثته على مدى شهور بعد التردد على أسواق المستعمل والأنتيك في البلدات المجاورة وأحيت بستانه. حرثت التربة حول أشجار الزيتون, غرست عرائش العنب واعتنت بأشجار المشمش واللوز وحصدت البندق من الشجرة الضخمة عند الدرج الحجري.

          انغمست بملذات توسكانا ونكهات الأرض و ممارسة الزراعة كطقوس الشعائر الدينية والطهو وفق الثقافة الإيطالية ومواسم الحصاد والتبضّع في أسواق الأطعمة المحلية التي تقام أسبوعيّا وعصر الزيت وصنع المربيات وكعكة الجدة والأطباق الشهية، نصبت طاولة خشبية بجانب أشجار السرو، غطتها بملاءةٍ قطنية مطرّزة، زيّنتها بأزهار الخشخاش الحمراء المقطوفة من البستان ودعت الأصدقاء للتحلّق حول الموائد الصيّفية.

           تحولت الرواية لفيلم، شاهدته عدة مرات وظللت أحلم بالرحلة، إلى أن تحققت.

اعداد الغداء في مطبخ المزرعة

          لو أن إيطاليا كانت منزلاً فإن أقليم توسكانا سيكون هو مطبخه وحديقته الخلفيّة حيث تزرع ربّته أعشابها وخضارها وتحلب ماشيتها وتصنع جُبنها وتربي دجاجتها وتستلهم مذاقات أطباقها.

الرحلة إليه هي رحلة إلى المذاق الإيطالي في المقام الأول, أغلب السيّاح الذين يزورونه, يأتون بدافع الشغف, الرغبة بالطهو على مواقد الطهاة البارعين وتعلّم الأطباق التي تناقلوها من جدّاتهم وطهوها في مطابخ أمهاتهم والوصفات التي تحتشد ذكرياتهم بروائحها الطيّبة, كما يقصده الغرباء الذين يرغبون بافتتاح المطاعم الإيطالية في بلادهم البعيدة للتدرّب .

          مُلّاك المزارع والفنادق في إقليم توسكاني يدركون ذلك جيّدا, لذلك لا يكاد نُزلٌ يخلوا من اتاحة خيار تجربة الطهو مع الشف الذي يفخر بكل طبق يضعه أمامك على الطاولة, ولا يتوانى عن الأخذ بيدك إلى مطبخه لتعليمك ألذ طريقة لصنعه.

          بعد تناول غدائنا الأول في المزرعة سألت الشف عن إمكانية اعداد الغداء معه في الغد, فأجاب, بأنه من المتوقع دائمًا أن يطلب السائح المشاركة في طهو طعامه هنا في توسكاني, لذلك أنا وبكل سرور مستعدٌ على الدوام لتلبية هذه الرغبة, موعدنا غدًا في الثانية عشر, سألته ألن يكون الوقت مبكرا على الغداء, ضحك وقال يبدو أن اعداد الغداء يستغرق نصف ساعة في بلادكم, ان بدأنا غدًا في الثانية عشر فلن تتناولوا طعامكم قبل الثالثة.

          في الموعد, كنا أنا وزوجي والأطفال بصحبتنا عند باب المطبخ, الباب الزجاجيّ الشاسع الذي تنفذ عبره الشمس وتعبر أمامه الغيّمات, في الداخل, وضع الموقد الضخم قبالته, حين وقفت خلفه لتحريك الصلصة كان رائعًا منظر عرائش العنب وهي تصطف في المدرجات على الجبل المقابل, كان الموقد يطلّ على البساتين والأشجار التي يطهو حصادها.

          الساعات الثلاث التي قضيتها في الطهو في مطبخ الشف أنطونيو, جعلتني أدرك الفرق الشاسع بين ما نمارسه في بيوتنا كطهو إيطالي ونتناقل وصفاته ونتناوله في مطاعمنا, وما هو عليه الطهو الإيطالي الحقيقي.

في البداية طلبنا منه أن يتم تحضير الأطباق دون إضافة النبيذ أو لحم الخنزير لأسبابٍ دينيّة, فراح يسأل عن كل مكوّن من المكونات قبل وضعه في القدر, هل يمكن إضافة البصل؟ هل الخل مسموح؟ هل أصنع التيراميسو بالقهوة؟ أضحكني الحرص الشديد الذي أبداه وأعجبت باحترامه لمعتقداتنا.

          قبل أن يشرع بالطهو, عرض علينا القائمة: ما سنعدّه اليوم هو البروشيتا للمقبلات وصدورالدجاج المحشوّة بجنبة بارميجانو, الباستا بلحم العجل وصلصة البولونيز, الرافيولي المحشوّة بالسبانخ وجبنة الماعز كأطباقٍ رئيسية والتراميسو للتحلية.

          وضع قدر كبير من الماء على الموقد, أضاف له أغصان البصل الأخضر, قطع من البصل الأبيض وجزر مقطع لدوائر سميكة والقليل من الملح والزيت, أخرج اللحم الطازج من جهاز التبريد, وضعه في الفرّامة ومن ثم بالمقلاة الكبيرة, طلب مني تحريكه مع الثوم وقطع البصل الصغيرة المحمّرة بزيت الزيتون وأضاف الطماطم عندما سألته عن التوابل التي سيستخدمها لإبراز النكهة تفاجأ بسؤالي, أجاب بأنه لن يحتاج إليها, من النادر أن تُستخدم التوابل في إيطاليا, وكانت دهشته أكبر عندما أخبرته بأننا نستعمل الكمون والكركم والكزبرة المطحونة والهيل و و و عند اعدادها, كاد أن يغمى عليه وقال يبدو أنكم تعدون الباستا بلحم العجل وصلصة البولونيز على الطريقة الهندية! إن أضفنا هذا القدر من التوابل فلن تميّز ألسنتنا طعم الطماطم أو اللحم, كل مكوّن من مكوّنات الطبق يجب أن تبرز نكهته, مكوّناتنا طازجة ولذيذة, لماذا نخفي مذاقها؟ كانت الطريقة التي استخدمها لتعزيز النكهة في الطبق, هي رَيّ الصلصة بعدما انتهينا من اعداد كل الأطباق بقدر الماء الذي وضعه على الموقد فور دخولنا وجعله يغلي بالخضار لمدة ساعتين.

          في مطبخ المزرعة لن تجد أكياس الباستا الجاهزة, كل طبقٍ يقدّم فيها يجب أن يحضّر بداخلها, دعانا أنطونيو للتحلّق حول الطاولة من أجل تعلّم صنع الباستا, أخرج كيس الطحين الناعم وأفرغ نصفه على المنضدة, شكّله على شكل جبل, ثم صنع حفرة بمنتصفه أفرغ بها صفار البيض, البيض الذي جمعه صباحًا من تحت الدجاجات التي ذبحها من أجل استخدام صدورها في الطبق الرئيسي الثاني, يا للدجاجات المسكينة!

          مزج البيض والطحين ببطء وحرص بالملعقة, وعندما تشكّلت العجينة كانت فقرة تكويرها على المنضدة الرخامية هي الفقرة الأكثر متعة لدى الأطفال, شاركوا بها بكل فرحٍ وسرور, غاصت أصابعهم الصغيرة بدفء العجين وطراوة ملمسه.

          تركها قليلا على جنب لنعود بعد ذلك ويعلمنا طريقة تقطيعها, استدرنا لإعداد التراميسيو من البيض المخفوق بالسكّر وأعواد بسكويت السافويار المغمّسة بالقهوة الباردة, رشّ على وجهه بودرة الكاكاو المر, وحفظها في الثلاجة. بعد الغداء وقبل تقديمها, زيّنها بأوراق النعناع.

          تعرفين سيدتي بأن توسكاني تشتهر بالجبن أيضّا أليس كذلك؟ إن كان لديكِ متسّعٌ من الوقت أنصحك بالالتحاق بجولة الجبن وزيارة المصانع والمتاجر المتوارثة في البلدات المجاورة وتذوّق ألذ أنواع الجبن, أصابع جبنة البارميجانو التي سنستخدمها في حشوّة صدور الدجاج مصنوعة وفقًا لتقاليد بالغة القدم, متوارثة منذ العصور الوسطى, يتم تخزينها لفترات طويلة في كهوف ومخازن جافة وتُفحص من قبل خبراء مختصين قبل بيّعها واستخدامها, أقراص الجبنة الضخمة وثقيلة الوزن, تُختم بختم المصنع لتأكيد أصالتها, لن تتذوقي جبنة بلذّتها في أي مكانٍ في العالم, العائلات التي تشتهر بصنع الجبنة, تحتفظ بأسراها ولا تفشيها خارج الأسوار الحجرية لمزارعها, إن كان هناك من يدعي بأنه يصنع جبنة البارميجانو خارج إيطاليا فلا تصدقيه. قطع لنا قطعًا صغيرة وطلب منا تذوّقها, كان الطعم يستحق كل ذلك الوقت والعناء.

          قام بترقيق صدور الدجاج عبر ضربها بمطرقة خشبية, وضع قطع الجبنة التي قام بتقطيعها كأصابع رفيعة بداخلها , لفّها ثم ربطها بأعواد البصل الأخضر, تساءلت, إن كان سيكتفي بذلك ويدخلها الفرن؟ كان الشف انطونيو يطهو بمزاجٍ عالٍ بالرغم من الضجيج الذي أحدثه أطفالي حوله, كان يطرق بخشوع أثناء اعداد كل قطعة من صدور الدجاج ويلفها بمهل, كما كان يتفحّص كل مكون بدقة قبل استخدامه.

          قبل ادخال صدور الدجاج إلى الفرن, قام بقطع أوراق الريحان من الحوض الصغير الذي زرع به بجانب النافذة, سكب عليها زيت الزيتون الذي عُصر من زيتون المزرعة في الخريف وأضاف فصيّن من الثوم خفّض اللهب وترك المقلاة ليتخلّق المذاق بداخلها على مهل, بعد عشر دقائق طلب مني الاقتراب واستنشاق الرائحة فور انبعاث الدخان, كانت الرائحة هي دليل نضج النكهة بالنسبة له. سكب المزيج على قطع الدجاج, أدخلها الفرن وأمهلها لتتحمر ويذوب الجبن ليسيل من أطرافها.

          أما اعداد خبز البروشيتا للمقبلات فتركه للنهاية إذ لم يستلزم سوى تقطيع الطماطم لمكعبات صغيرة ومزجها بزيت الزيتون وأوراق الريحان المفرومة ورشّها ببودرة الزعتر المجفف ووضعها على قطع الخبز قبل تقديمها.

          بعد أن انتهينا، سألني النادل أين تفضلون تناول الغداء سنيورا؟ لم تكن الإجابة بسهولة السؤال! هل سأختار الطاولة المطلة على كروم العنب؟ أم الأخرى جهة بساتين الزيتون؟ أو التي يتحدّر من تحتها الوادي الأخضر حيث يسرح قطيعٌ صغيرٌ من الماعز أو بجانب الحائط الحجري للمزرعة الذي تكسوه الأزهار وتتسلّق عليه أوراقها؟ اخترت الطاولة في الحديقة الخلفية, تحت مظلّةٍ تحفها أشجار الجوري, تكاد الأزهار تتبرعم على أغصانها ولم تتفتح بعد, جاءنا النادل بالأطباق التي قمنا بطهيها وتناولنا الغداء مثلما فعلت فرانسيس مايز, تحت شمس توسكانا.

جولة بين الكروم :

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s