دار ياقوت : التقاليد الأصيلة لحفل عشاءٍ مغربي

” مطعم دار ياقوت من فضلك “

هذا ما قلته لسائق ” الطاكسي” -كما يسميه المغاربة- فبدأ بالانطلاق بين الدروب الضيقة والحارات المتلاصقة، يخترق جموع السائرين بسيارته، يطلق الزمار على دراجة تمر بجانبه مسرعة ويتجاوز عربة يجرها حمار.

          توقف في حيٍّ متهالك، أمام حائطٍ أصمٍ قديم تتوسطه بوابة خشبية، دق الباب فأجابه عجوزٌ سمين بيدين غليضتين فقد نصف أسنانه, بدا الأمر وكأن عصابة ما ستختطفك! لن يخطر أبدا ببالك أن ثمة قصر خلف هذا الحيّ، هذا الحائط وهذه البوابة..

          تلج، وإذ بالمكان مزخرفٌ من اسفله لأعلاه، تشق عرصته بركة ماءٍ مستطيلة، تتوزع  الطاولات حولها بشكلٍ أنيق، عدد كبير من الرجال للخدمة، بجلاباتٍ بيضاء وطرابيش، يتحركون كمن يؤدي رقصةً استعراضية, ستبدأ طقوس العشاء في الثامنة وتنتهي عند منتصف الليل، ستغادر كسندريلا المأخوذة بسحر الحفل، وتتمنى لو أنك تركت خلفك فردة حذائك ليبحثوا عنك ويعيدوك لهذا الحلم..

          ولأننا وصلنا باكرًا , طلبوا منًا الانتظار في التراس, صعدنا إلى سطحٍ ذو اطلالةٍ لا متناهية على حُمرة المدينة, تقف فيه وكأنك واقفُ على خارطة مرّاكش. تتفرع من تحتك الأزقة والدروب وترتفع المآذن وتنتصب في البعيد قمم جبال أطلس التي تحرسها كتعاويذٍ وحُجب.

          بعد تقديم عصير الجزر المخلوط ببرّتقال مرّاكش, صعدت الفرقة الأمازيغية  للترويح عنا, بلباسها المزركش والقبعة التي يتوسط قمتها خيطٌ طويل ينتهي بكركوشة تلف بطريقة احترافية عندما يدير المؤدي رأسه حين الغناء, بدأوا بأداء ” الكناوي ” مستعينين بالقراقيب والكمبري والنبير – آلات موسيقية – ثم انتقلوا للأمداح النبوية و المزيد من الغناء التراثي ذو الشجن والحنين.

          غابت الشمس, اتحد لون الأفق الأحمر بلون البيوت والمآذن والجبال البعيدة, ونزلنا لفناء المنزل\ المطعم حيث تنتظرنا الطاولة لحفلِ عشاءٍ وفقًا للتقاليد المغربية الأصيلة.

          يملؤون الطاولة ابتداءً بعشرة اصناف من المقبلات اللذيذة، نكهات لم تجربها من قبل، نكهات جديدة ستصدمك، الباذنجان ببهارٍ خاص، الجزر بماء الورد، ومربى الطماطم!

تنتهي فتختفي الاطباق في لحظة، يجيء النادل بطاجين عملاق، يفتحه ويخرج منه طبق الدجاج بالحامض والزيتون، دجاجة فخذها يعادل حجم دجاجة كاملة مما تعرفون، تنتهي فيأتيك بطاجنين عملاقين آخرين، اللحم بالخضار والبازلاء والصلصة، والكسكس، تنتهي ويأتيك بالحلويات على حاملٍ فضيّ متعدد الطوابق – ابتعت لاحقًا حاملًا مثله من سوق الحبوس في الدار البيضاء-، تصف في طوابقه قطع كعب الغزال والشباكية والغريبة وصبيعات اللوز, بالإضافة لطبق كبير تقدم فيه رقائق البسطيلة الحُلّوة معبأة بقوامٍ قشطي محلّى بالسكر والقرفة وماء الزهر. وقبل أن تمد يدك لتتناول مذاقًا حلّوًا سيظهر لك النادل كما يظهر الجني من المصباح السحري يصب لك الأتاي من الأعلى بخيطٍ طويل باتجاه الكأس متفاخرًا بمهارته..

          بينما أنت مأخوذ بسحر النكهات والخدمة والتقديم, ثمة عازفان في طرف المطعم، يسريان عنك وكأنك في حضرة سلطان، يغنيان بإتقان أغنيات ام كلثوم وعبدالحليم وفيروز، نبيل شعيل أيضا وعبد الله رويشد، ستترنم معهما، شويخ من ارض مكناس وسط الأسواق يغني، طول عمري بخاف من الحب وسيرة الحب، ايدي بيدك يا حبيبي من الفجر ليما المغيبي, سألوني الناس عنك يا حبيبي.. ستترنم، ستنبهر، ستغيب، سيغادر الناس طاولاتهم تباعا دون أن تنتبه, في تمام منتصف الليل, لن تدق الساعة التي حذّرتك منها الجنيّة, لن يوقظك شيء إلا أن يهمس لك بلباقة الرجل المكلف بخدمة طاولتك:

” سيدي، سائق سيارتك بانتظارك في الخارج”

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s