رياض لورانس أولفير وطاجين اللحم بالبرقوق

        

Lorirance Olivire ” :

أهلا بك في منزلك ..

هذا ما ستقوله لك السيدة لورانس بمجرد استقبالك عند باب الفندق/الرياض بابتسامتها الصاخبة العريضة.

وقبل أن نطأ عتبة الرياض سأحدثكم قليلا عن برنامج وثائقي شاهدته منذ سنين..

“الغزو الجديد ” تحت هذا العنوان قدَّمت الجزيرة الوثائقية فلماً عن السيّاح الأوربيين الذين يزورون مَرّاكش مرّةً فيولعون شغفاً بها إلى الأبد، يعثرون في رياضاتها وأسواقها وحُمرةِ طينها وشوارعها على فردوسهم الذي طالما قرؤوا عنه في حكايا ألف ليلة وشاهدوه في مغامراتِ”ألادِن”والسندباد.
          الأوربيون الذين يتخذون المدينةَ العتيقة سكناً لهم، موطنَ عملٍ وتجارة ومساحةٍ مطواعة لإفراغِ شهوة الجمال، مستغلين بذلك تفريط الأجيال الجديدة من المراكشيين بمنازل ورياضاتِ أسلافهم بالرغم من المثل المغربي الذي يحذّر من ذلك بقوله : الدار أول ما يجب أن نملك وآخر ما نبيع، الدار قبرنا في الحياة الدنيا” ، لتتحول من دورٍ متوارثة لعائلةٍ عريقة محمّلةٍ بالذكريات وأصيلة الجذور إلى رياضاتٍ سياحية، بذاكرةٍ قصيرة لا تعدو ليلة أو ثلاث يقضيها السائح منعّماً بملذاتِ الشرق وسحره..
           أشعل هذا الوثائقيّ في قلبي الولع بهذه الجنان الصغيرة المختبئة خلف اسوار المدينة القديمة والحواري الضيقة والشوارع المتفرّعة.

          كانت الطبقة الوسطى من المغاربة حين يدخلون القصور يعجبون بالخضرة التي تملؤها والماء الذي يجري في ساحاتها والأزهار التي تتفتح في شبابيكها، فراحوا يبنون بيوتهم حول ” العرصة” أو الفناء، ويتركون أسقفها مشرعة للنور كفسحٍ سماوية، تنمو في زواياها الأشجار وتتوسطها بركة الماء، فصارت رياضًا وبساتين..

وبعد الاستعمار أعجب الفرنسيون بهذه الدور، راحوا يشترونها ويعمرونها ويسكنونها ويهجرون أوطانهم الرمادية طلبا للبهجة هنا, تبعهم بذلك الأسبان والانجليز وأبناء الغرب البعيد من أمريكا.

          لورانس، وزوجها أولفير، كانا من هذه الفئة، على فكرة أولفير هو زوجها الثالث، والذي شاركها شغف الترحال والسفر، تعيش بين باريس ومرّاكش، تسكن جناحها الخاص في الرياض الذي تملكه وتديره وترحب بضيوفه وكأنهم أصحابه، انت ايضا ان سكنته سيراودك هذا الشعور، فالرياض يتكون من جناحين وغرفتين، أحد الاجنحه تسكنه هي وزوجها، ستخبرك انك تستطيع طلب ما شئت من الطاهية ” للا عيشه ” متى شئت، تستطيع ان تشرب الأتاي في اي مكان، تأخذ حماما مغربيا، تستلقي على الأريكة في المكتبة أو تقرأ كتابا في الحديقة، أهلا بك في رياض لورانس أوليفير، أهلا بك في منزلك.

لورانس، الشقراء الفرنسية النحيلة، ذات الضحكة الصاخبة والقلب المضياف، الصحفية والكاتبة والمراسلة، المرأة التي قضت عمرها في الترحال، ما إن تسكن منزلا حتى تغادره لآخر، عاشت في كابول، السعودية، الهند، باكستان والقت رحلها أخيرا في مرّاكش، تزوجت مرتان وانجبت ثلاث فتيات، إلا أنها وجدت حلمها في زوجها الثالث ” اوليفير “

فكان الرياض الذي تملّكته في مراكش رياض ” لورانس أولفير “

          ابتاعت منزلا قديما في درب الطبيب الذي لا يطرقه عادةً السياح، رممته وزينته بالزليج والفسيفساء والنقوش، المشربيات وأسقف الخشب، الثريات النحاسية والقطع الفنية، عكست حياتها الممتدة على الخارطة في ذوقها الرفيع في التصميم، الغرف كانت مزيج من الديكورات المغربية، الاثاث الهندي والباكستاني، جلسات الصدف الدمشقية والتحف، كست ذراع الدرج بالنحاس المزخرف والمطروق ونصبت فوارات الماء في العرصة، زرعت اشجار البرتقال وافتتحت مكتبةً صغيرة.

صنعت من المنزل القديم، تحفةً فنية، لا تشعر أبدا بتنافرها رغم احتشاد الثقافات في تفاصيلها.

بينما كانت تقودنا بسرور إلى جناحنا, مررنا ببابً موارب, يكشف عن غطاءٍ مطرّز بالكامل بالطرز السلّاوي يغطي السرير , مثل الذي تطرّزه العرائس ضمن جهاز عرسهن, ويتخيّرن له اللون الأخضر طمعا بجلب البركة وتيمّنا بلون السعد, ولكنه كان باللون العنابي القاني, شدّني فسألتها إن كان من الممكن ان يكون هذا هو جناحنا فأجابت بمرح, هذه غرفتي, أنا أسكن وزوجي هنا عندما نكون في مرّاكش, استأذنتها برؤيته, والتملي بجمالياته فرحّبت بذلك وأذنت لي بالتقاط الصور, في جناحها كما في سائر الرياض مزجت الذوق الفرنسي الرفيع بالعراقةِ العربية لتنتج تحفة معمارية على شكلِ بيتِ ضيافة يشبه الجنة.
ولعلها الحسنة الوحيدة لهذا الغزو الجديد، أن يولدَ شكلٌ جديدٌ من العمارة قائما على تزاوج الشرق والغرب.

قضيت يومين بصحبتها، وودعتني لاضطرارها حضور بروفة مسرحية من تأليفها في باريس.. لورانس الشقراء الفرنسية المسنّة، بقلبها المشّعُ شبابًا وصخبا، لورانس الجميلة..

الصباح في الغرفة

بين اليقظة والحلم،

العينان نصفُ مغمضتيّن

والذهن يكاد يكون حاضرا لبرهةٍ ويغيب

وإذ بسربٍ من العصافير يعبر سمائي

يعبر كثيفا كغيمةٍ حبلى بالمطر

يعبر وحفيف أجنحته كهمس

يعبر كثيفاً كغيمة، يلقي بالظل فوق النور

تغريده يملأ المكان وقلبي..

استيقظُ كمن يستيقظ في السماءِ لا الأرض

الصباح ينهمر من النافذة

بحيزٍ ضيق،

يلامس الغلالة الشفيفة حول السرير

ينير الأثاث التقليديّ حولي

ويخطو على السجادة المنسوجة يدويّا بألوان الصحراء

 ينهمر مباشرةً نحو عيّنيَ

خلف الابواب الخشبية المشرّعة

وعبر الزجاج الملون وزخارف القضبان

ينهمر الصباح وتطل شجرة البرتقال والعصافير توقظ الأرض ومن عليها بالغناء

بين اليقظة والحلم, بين الحلم واليقظة

في السماء لا في الأرض

وعبر شباكٍ يشبه بوابة سحرية صغيرة

كان الصباح ينهمر في عيّنيّ

الافطار تحت ظلال البرتقال

          بجانبي تنمو شجرة البرتقال، جذعها يميل بحنو وأوراقها فيء، أجلس في فناء رياض لورانس الموسيقى التي تحف المكان من صنع الله، الأطيار التي أيقضتني قي الصباح لا تزال تغني والماء ينهمر من فم البحرة الملأى بالأزهار الحمراء، رياضٌ صغير، ولكنه جنه.

في فناء رياضٍ مغربيّ, تملكه سيّدةٌ فرنسية, أجلس على كرسيٍّ دمشقيّ, وأتناول الافطار, في صباحٍ سأظل أشتاق إليه كلما راودتني منه ذكرى, كلما شاهدت شجرة برتقال وكلما قضمت رغيفّا مغربيّا.

شهية تبدو اقراص الرغيف السمينة وهي تتزاحم الصحن الملّون كجدارٍ من الزليج، عندما قضمت القضمة الأولى أحسست بأنه أكثر الارغفة حنانا وهشاشه على وجه الأرض، ممتلئ هش ولذيذ, سألت للا عيشه عن اسمه فقالت: حرشا، نسميه حرشه لأنو حرش، نستخدمو كثير في الفطار المغربي, الحرشا أصله أمازيغي.

وحين طلبت من القائمة افطارا مغربيا، جاؤوا بالأطباق وبجانبها بان كيك وفطير مشلتت صغير.

استغربت من كون “البان كيك” جزء من الافطار التقليدي، فأوضحت لي أنه “بان كيك” مغربي يختلف عن الشائع لدينا، يُسمى ” بقارير ” بينما المشلتت مسمّن، حين تذوقته واذ بالطعم لا يختلف عما نعرفه،، اذن، فالأسماء تعددت والطعم واحد !

بدا تأثير الخواجات واضحًا على الافطار الذي يفترض بانه افطارا مغربيّا, قطع الزبدة, مربى التوت , الكرواسون والبيض المخفوق بلا توابل تميّز طعمه عن غيره.

طاجين اللحم بالبرقوق 

من طين الأرض, يُعجن الطاجين المغربيّ المستخدم في الطهو, طبقٌ مستديرٌ مقعّر يعلوه غطاءٌ مخروطيّ, بتصميمٍ يساعد على تدوير البخار بداخله, تكثيف النكهة والمحافظة على طراوة المكوّنات. يوضع فوق نارٍ خفيضة, على مهلٍ ورويّة, تُطهى بداخله أطباق اللحوم والدجاج والخضار والسمك والكسكس.

          تلك التقنيّة التي عُرف فيها المطبخ المغربيّ وانتشرت منه إلى البلاد المجاورة والمقابلة كانت من التأثيرات الأمازيغيّة عليه, وقد اختلطت بعد ذلك بالتأثيرات العباسيّة التي حملت بعض سمات المطبخ البغداديّ من استخدام الزبيب والفواكه المجففة مع المذاق المالح, إلى أن جاء الأندلسيون حاملين معهم اسلوبهم في إضافة الزيتون والحوامض والمذاق اللاذع للطبخة, الاستعمار الفرنسيّ ترك بصمته أيّضا, أثرى أنواع المعجّنات على المائدة المغربية وأسرف في استخدام الزبدة. الطهاة في مطابخ قصور فاس ومرّاكش والرباط ساهموا بابتكاراتهم الخاصة ووصفاتهم الملكيّة, وهكذا, مثلما تمتزج المطيّبات والتوابل بالمكوّنات الرئيسية للطبق فتؤدي للمذاق النهائيّ, امتزجت تلك المؤثرات بداخل الطاجين المغربيّ وأفرزت عشرات الأنواع من الطواجن.

          عدنا لرياض لورانس مع مغيب الشمس, على عكس العادة, لم يكن النسيم المحمّل برائحة ثمار البرتقال باستقبالنا, بل رائحة الطبيخ الشهي المنبعثة من طاجين للا عيشة على الموقد,  تبعت شغفي وفضولي والرائحة واستأذنتها بدخول المطبخ فرحّبت, كانت تعد العشاء لمجموعة من أصدقاء لورانس الذين سيجتمعون في أمسية بعد ساعتيّن.

          الرائحة الطيّبة كانت تفوح من قطع اللحم التي دعكتها بالمطيّبات, القرفة والزنجبيل والكمون المطحون والملح والفلفل الأسود, بعد أن قامت بقليّ البصل والثوم المهروس بالزيّت في قاع الطاجين, مددت قطع اللحم فوقه وتركته منذ ساعة لينضج في بخار الماء الذي ينضح منه.

          في قدرٍ صغير, كانت قد غلت البرقوق المجفف بقليلٍ من الماء والزبدة والسكر, بعد أن عُقد وتعسّل أضافته على قطع اللحم, وما إن رفعت الغطاء لتضيف ماء الزعفران الذي تعدّه اسبوعيًا وتحتفظ به في البرّاد حتى انبعثت رائحة مُسكرة لفرط ما تخبر عن لذة المذاق, أعادته على الموقد ليتشرّب الرائحة والنكهة ورشّته قبل التقديم بالسمسم المحمّص.

          من الفرن, أخرجت طبق الكسكس الذي كانت قد أعدته قبل وصولي وشوربة الحريرة التي اكتسبت اسمها من الدفء والحرارة التي تهبها للجسد في ليالي الشتاء, سقت السلطة التي حضرّتها من الجزر والزيتون والفلفل الأخضر البارد ومكعبات البصل بالصلصلة المكونة من زيت الزيتون والملح والليمون.

          عرضت عليّ أن تسكب لي بضعّا من الأطباق التي كانت تستعد لتقديمها للضيوف فشكرتها إذ كنت قد أتخمت على العشاء الذي عدت منه لتوي, ولكن لم أفوّت على نفسي فرصة تذوّق طاجين اللحم بالبرقوق المعد بيد سيدة مغربية أصيلة.

          بلطفٍ ورهافة, قامت بتحريك قطع اللحم حتى لا تتمزّق, ووضعت لي في صحنٍ ذو نقشٍ تقليديّ قطعة من الأسفل, على حد قولها بأنها ألذ, حيث تتشرب القطع في الطبقة السفلى العصارة والمنقوع بشكلٍ أفضل.         

  مثلما تذوب قطعة الكعك المترفة في الفم, ذابت قطعة اللحم طريّة على لساني, أختلط فيها المذاق المالح بطيب الزعفران وحلاوة البرقوق والطعم الخفيّ للزنجبيل والكمون, أغمضت عينيّ مضغتها ببطئ, أردت الاحتفاظ بالنكهة في فهمي لأطول فترة ممكنة, وبذاكرتي إلى الأبد.          ‏

صور من الرياض :

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s