شراب ورد

          في آذار, الشهر الثالث من السنة, حيث ” يأتي الربيع الطلق يختالُ ضاحكا ” تكون الوردات قد تفّتحت على الغصون, زهريّة, طريّة وفوّاحة, تحفً الطرقات وتتسلق على الشبابيك, ما إن تغمر رائحتها أنوف سكّان الضيعة, حتى تشمّر النسوة عن سواعدهنّ ويبدأن بالقطاف.

          تحمل كل واحدةٍ منهن سلّتها, تتجه لبستانها الذي ينبسط أمام عتبة دارها وتمد يدها برفق لتقطع الوردات التي أتمت النضج, بعد القطف تُزال البتلات من زر الورد, تُنقع بالماء, تُغسل بلين لألا تتمزق وتترك حتى ينشف عنها الماء وتُحمل قبل أن تجف, تُغمر بالسكّر, تُفرك به حتى يزيل مرورتها ويحيلها لحلاوة.

          ليومٍ كامل, يمتص السكّر الماء من البتلات, ويذوب فيه, في الصباح التالي ستكون رائحته قد تجاوزت المطبخ, ومكان التحضير وملأت البيت كله, يٌغلى ماءٌ ويسكب فوقه المزيج, يُحرّك ويُضاف القليل من عصير الحامض – الليمون – حتى يعقد السكّر ولا يتكتل, تضاف له لتعزيز المذاق قطراتٌ من ماء الورد, ولتعزيز اللون قطرات من ملوّن الطعام الأحمر, البعض يفضّله صحيّا, ويكتفي بلونه الزهري الفاتح المائل للصفرة – كما يقدم في بيت دوما ومطعم طاولة –

          بعد تكوّن السائل الزهري الغامق اللزج, يصفّى ويعبئ بقوارير, يخزّن مع المونة ويستخدم على مدار العام حتى يأتي بمذاق الربيع كلما افتقدته النفس وتاقت إليه, أما البتلات الغارقة بالحلاوة والمتكتّلة بعد تصفية الماء, فيضاف لها القليل من الليمون والسكر مرة أخرى, تُحفظ في البرّاد, وتستخدم في تزيين الحلويات, البسبوسة, المهلبية وحلاوة الجبنة, تكون حينها قد أصبحت مربى الورد.

          على مدار الربيع, تحبل الأغصان بمزيدٍ من البراعم, تكبر وتزهر وتتكاثر بتلاتها, تُقطف مرة أخرى, تستخدم أيضًا لصنع العطر والصابون والسنفرة ويخضّب فيها الجسد, تستخدم للتجميل والدلال, تُجمع وتنثر على الأسرة, الأرائك والطاولات, تزين شعور الصبايا وتُجمع في فازاتٍ توزّع على زوايا الصالون ليسكنه الربيع.

          كان يحمل لنا والدي فيما يحمل من المونة التي يجيء بها من أسواق دمشق, زجاجات شراب التوت وشراب الورد وشراب اليوسفي والجلّاب, نحتفي بها فور وصولها, تسكب لنا والدتي كلٌ حسب طلبه, تسكب الشراب الذي يفضل على مكعّبات الثلج والماء البارد, ونرتوي, يحضر دومًا على موائد الإفطار في رمضان, وعند الترحيب بالضيوف, كمشروبٍ فاخر مختلف عما توفره الأسواق الاستهلاكية في الكويت مركّز اللون وشحيح النكهة.

          في بيروت, يستقبلنا به فندق ألبرغو حين تقديمه ضمن صينية الضيافة, أصبح مذاق بيروت على لساني هو شراب الورد بالحامض الذي أنظره بفارغ اللهفة ما إن أصل, يُخلط بالثلج المجروش فيطفئ لهيب الشوق, أصبحت عندما أحضره في المنزل, أحضره على طريقة ألبرغو, وأحيانًا أضيف له حبات التوت الطازجة أو استبدل الماء بشرابٍ غازيّ غير محلّى, أعد صينيةً فضيّة أنيقة للضيافة, أضع الفاكهة, الكعك, قطع الراحة وابريق شراب الورد.

استحضار شراب الورد في المنزل :

أؤمن بالحواس، بقدرتها التامة على اختزال المشاعر والذكريات، إبقائها حية وقريبة وحاضرة على الدوام، في أغنية، نكهة، لون، ملمس أو شذى.

أؤمن بحاسة الشم تحديدًا، الواقعة تحت سلطان الرائحة، تلك القادرة على ايقاظ أعتى أنواع الحنين ما إن تُستثار، ذات صبيحةٍ ربيعية، كنت أتبضع المواد الغذائية من متجرٍ لُبنانيّ في الكويت، وبينما أنتقي حبات الفاكهة الطازجة، غمرتني رائحة الورد البلدي، الوردات المتعرشة على شباك بيتٍ في الضيعة، المتسوّرة لأدراجه، إلتفت وإذ بعلبتيّن معبأتين بالورد الطازج، المقطوف في ربيعه والمشحون كمعلباتٍ مُخدّرة لوجع حنين ربات البيوت في غربتهن.

ابتعت العلبتين وتذكرت وصفة المرأة التي التقيتها تبيع مونتها في بيروت، وسألتها عن سر مربى الورد الذي تعده وشرابه ذو المذاق البهيج، عدت للبيت واستحضرت حديثها، أعددت مربى الورد وشرابه، كما لو في ضيعةٍ لبنانية، يغشاها الربيع.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s