الوجه الأدبي لبيروت : مُحترَف زاوية ولقاء الفنانة نجاح طاهر

لبنان 2019

زيارتيّن في السنة، كمن يؤدي فرض الصلاة لقلبه.

بعضنا محكومٌ بالملل، يبحث عن الجديد في كل سفر، وبعضنا محكومٌ بالحنين، يعود كلما فرد جناحيه لأماكنه المحببة، عدتُ لبيروت، عدت بعدما غادرتها ببضع شهور وقد وعدت نفسي بأن لا أعود لها قبل أن يكمل العام دورة أيامه، عدت وأنا أرتب ثيابي في حقيبتي وأتساءل، ما الذي يعيدني إلى هنا مرارًا، ما الذي يجعلني أقفز على قائمة المدن المُشتهاة لألقيَ بروحيَ الولهى في حضن هذه المدينة الحبيبة.

أعود لاستقراء وجهها المعتّق، وجهها الملطخ بالزمن وندوب الحرب والمضمّخ بالحكايا، وجها المكلل بالخضرة والأشجار التي تعرّش بين بنايةٍ وأخرى، وجهها المغسول بماء البحر المتوسط، والمجفف بشمس الشرق، وجهها الذي أشتاقه، كما يشتاق المُحب وجه محبوبته.

عدت في شباط / فبراير، الشهر الثاني من سنة، وثلوج الشتاء لم تذب بعد عن الجبال، كما أن الأزهار الربيعية لم تكمل تفتّحها على الاشجار، بعض الأغصان زهّرت على استحياء، وبعضها ما تزال عارية، الغيمات تلبّد السماء أحيانًا، ثم تُفرغ حمولتها من المطر وتتلاشى، لتصفو السماء من جديد، تسطع الشمس ونخلع معاطفنا، يعلّق إياد، سائق سيارة الأجرة: ” شباط اللباط ما عليه رباط “، أي لا يمكن أن تثق فيه، إنه شهر هائج ومتمرد، لا إلى الصيف ولا إلى الشتاء.

..

عدت لها ولكن في هذه المرة، أتوق للخوض في خيالٍ جديد من خيالاتها، حيث أن جزءًا من جمال بيروت في مخيلتي ووجداني، يتمثّل في كونها ملتقىً ثقافيّ، دور نشر، مقاهيٍ أدبية، ندوات، برامج تلفازية، محطات إذاعية، مجلات ودوريات، معارض، مكتبات، أكشاش لبيع الكُتب، ومجموعات من المثقفين. رسامين، أدباء، نقاد وكتّاب، ينشدون الحرية فيها، ويلتقون ويكتبون عن لقاءاتهم تلك حين يكبرون ويسردون سيرهم الذاتية، يحولونها إلى كُتب، عندما نقرأها نحن، معاشر القرّاء، نفتتن بالدائرة الثقافية العريضة والتي جمعت مثقفي الوطن العربي في بيروت، نغبطهم إذ انتهى ذاك الزمن وأدبر، وقد عاشوه بحلاوته ومرارته، كتبوه وحكوا عنه.

محاولةً مني لاقتناص شيء من لذّة الحياة الثقافية في بيروت، ابتدأت يومي الأول بميعادٍ أدبيّ، رتبّته من خلال متابعتي للروائية السورية لينا هويان الحسن على برنامج تويتر، وكنت قد رأيت لها منشورًا مُصوّرًا تزور فيه المصممة نجاح طاهر في استيديوها الخاص لتصميم غلاف روايةٍ جديدة، ذلك المنشور جعل أمنيةً تلتمع في قلبي، أن ألتقي بلينا ونجاح في بيروت، أن ادخل العالم السريّ، كواليس أغلفة الكتب، كتب دار الآداب تحديدًا والتي تصممها منذ سنوات، الفنانة نجاح طاهر.

يُقال ” يُعرف الكتاب من عنوانه ” وأبلغ عنوانٍ للكتاب في زماننا البصريّ هذا هو غلافه.

وقعت منذ سنوات في غرام أغلفة الكُتب التي تصدرها دار الآداب اللبنانية، في المكتبات، أو معارض الكتاب، أقف مطوّلا أمام رفوف اصداراتها، أتأمل الرسوم والكولاج، أغلفة مريحة للعين، ألوانها فاتحة تكاد تحكي مضمون النص، مرسومة ومصممة بحسٍ فنيّ يعبر برموزٍ دقيقة عن أبطاله، يصف دواخلهم وأزمانهم وأمكنتهم، وكأنها رسمٌ للمشاعر، حكيٌ لها، أقف أمامها كما يقف مُتذوق الفن في حضرة لوحةٍ معلقة على جدران متحف.

وكنت كلما حملتُ كتابًا فتنني غلافه، وقلّبته في يدي، طالعتني عبارةً في الزاوية العليا منه ” تصميم الغلاف: نجاح طاهر “، لذلك، ما إن امسكت الخيط الذي قد يقودني للقائها لم أفلته، لم أستطع مقاومة فرصة الدخول للعالم الخفي الذي ينبثق منه كل هذا الجمال، وإن دفعت ثمن ذلك التطفّل على سيدتيّن ذوات قامات معتبرة في الوسط الثقافي العربي.

تواعدت مع لينا، عبر رسالةٍ خاصة لتكون نقطة اللقاء مقهىً في شارع الحمرا، يا للرومانسية، الشارع الذي عُقدت في مقاهيه أجمل جلسات بيروت الثقافية. جاءتني بأناقتها الكلاسيكية المعهودة، امرأة سورية بيضاء كحلاوة الجبنة، بشعرٍ أشقر قصير يتطاير حول وجهها الوضّاء، بدت كنجمة سينمائية من الثمانينات، جذّابة متأنقة وواثقة، تجمّل وجهها الجميل سلفًا بقليلٍ من مساحيق التجميل وترتدي معطف فروٍ بنيّ فوق فستانٍ ربيعيّ، مستعدةً بذلك لتقلبات الجو المحتملة بين البرودة والدفء.

صحبتني، مشينا الهوينا، نتبادل التحايا وعبارات التعارف، قطعنا شارع الحمرا، عبرنا بالبنايات المستحدثة التي مسخت بيوت الحيّ وغيرت الهوية العمرانية للمكان إلى جانب بعض البيوتات التي لا تزال صامدة على بنائها الأول، وقفنا أمام أحدها، استوقفتني لينا قائلة: هون، وصلنا.

بجانب البوابة الحديدة المواربة، كان جهاز المناداة بأربعةِ أزرار لكلٍ منها عنوانٌ مختلف، ضغطت لينا على الزر الذي يحمل بطاقةً تعريفية كُتب عليها ” مُحترف زاوية ” وكان هذا هو الاسم الذي أطلقته نجاح طاهر على مرسمها، لم يُجب أحد، استدركت قائلة: بلكي نجاح ما جت لهّلا، تعي نستناها بالجنينة.

جلسنا على طاولةٍ خشبيّة في الحديقة بعد أن قمنا بمسح الندى الرطب عنها من بقايا ليلة الأمس الباردة، اهدتني حينها روايتها ” ليست رصاصة طائشة تلك التي قتلت بيلا ” كانت الرواية طازجة، خارجة للتو من فرن المطبعة، وكانت هي الرواية التي صممت نجاح غلافها حين رأيت منشور لينا في زيارتها لها، سُعدت لذلك وبدأت أحدثها عن اعجابي بكتاباتها السابقة، وأسألها عن رواياتها بفضول بينما تجيبني باستفاضة.

لينا توقع لي روايتها

كانت لينا امرأة شامية بامتياز، امرأة مخلوقة من أساطير البادية وارستقراطية المدن، تقتبس من تاريخ وطنها وحكايا أناسه أقاصيص أبطالها المدهشة، تسترق مما روته لها أمها في الطفولة من حكاوي الأقارب والأصحاب، أحداثًا تسحق التدوين، الخلود، وتضحك حين تخبرني عن ذلك، تقول، كانت أختي تهددني بأن تفضح أمري أمام والدتي التي لم تكن تهتم لقراءة ما أكتب، ما أحاول فعله هو حماية هذه القصص، الأحداث، التراث الشفوي المتناقل سيضيع، سيضيع إن لم يدوّنه أحد.

تحدثني بعيّنيّها اللامعتيّن وانتمائها الشرس الجميل عن إلهامها بالمكان، بالبادية، بدمشق، بحلب، بحماة واللاذقية، تقول باعتزاز: أنا خِلِقت في بلد يتراكم فيه التاريخ والآثار والحضارات كما لا يحدث في مكان آخر، قضيت طفولتي بين هذا التاريخ، بين المدن الضاربة في القدم، تنقلّنا مع والدي بحكم عمله على خارطة سوريا، أسرتني هذه البلاد، تملّكتني.

سألتها، لماذا أنتِ هنا، في بيروت تحديدًا. تنهّدت: تراجعتُ عند الخطوة الأخيرة، كنت أستكمل الأوراق في سفارةٍ أجنبية، لم أستطع أن ألقي نفسي في غربة اللجوء، بعد الأحداث التي عصفت بالبلاد، هون في بيروت عالأقل بحس حالي لسّه بالشام، بتنفس الهوا نفسه، أرى ذات الأشجار وتمر من أمامي سيارات تحمل لوحات حلب ودمشق. أنا يا إيلاف ما بقدر كون خارج هذه الرقعة من العالم.

ووصلت نجاح، حيّت لينا وحيّتني، وما إن أدارت في قفل الباب مفتاحه، وشرّعته، حتى توثّب قلبي فرحًا مما رأت عيناي، لم يكن الاستديو كما توقعت، غرفة للعمل أو مكتب ملهم وحسب، كان يحتل مساحة الطابق الأرضي بأكمله لبيتٍ بيروتيّ عتيق، شبابيكه بيضاء، خشبية وكبيرة، أبوابه مرتفعة وسقفه كذلك، تفصل بين غرفتيّ الجلوس في مدخله ثلاثُ قناطرٍ بزُجاجٍ ملوّن، لكلٍ منها بلاطٌ  بلديّ بزخرفاتٍ بديعة، ما إن همّت بفتح الشبابيك لإنارة المكان، حتى أبانت الشمس تفاصيله بوضوح، ويا لها من تفاصيل.

كنت قد منيّت نفسي بزيارةِ مرسمِ فنانةٍ أحب فنها، فوجدت نفسي في بيتٍ أشبه ما يكون لوّحةً بذاته، لوهلة، نسيت ما جئت لأجله، ورحت أتمعن بتفاصيل السجّاد المترامي على الأرضيات بألوانٍ متباينة، ولكنها في الوقت ذاته متجانسة بشكلٍ فنيّ مع قطع الأثاث المنجدة بأقمشةٍ ملوّنة ومطرّزة، لا تماثل أحدها الأخرى.

لقد صممت نجاح مُحترفها كما تُصمم أغلفة الكتب، بكل ذكاءٍ وفنٍ وغرابة، من أشياء مُجمّعة ومبتكرة، الصالونات المفتوحة على بعضها كانت عبارة عن عمل كولاج ضخم. على يمينك وبعد أن تعبر القناطر الثلاث صوفا مصنوعة من مرتبات اسفنجية مصفوفة بعضها فوق بعض، مُسنَدَة على الحائط وتعلوها وسائد بتطاريز مختلفة لأزهار وطيور وفراشات بالإضافة لوسائد مصنوعة من حرير الداماسك.

إلا أن الأكثر غرابةً في ذلك الركن، كانت الدُمى القطنية العملاقة، بجسدٍ يعادل جسد انسانٍ بالغ، وأرجلٍ طويلةٍ طويلة، تنساب على الأرض، تخيّل، العرائس القطينة التي تصنعها البنات للعبِ قديمًا، تصنعنها من بقايا الأقمشة، تُحشى بالقُطن وتُطرّز عيناها بالخيط الأسود ويُجدل شعرها من الصوف، ولكنها هنا بحجمٍ هائل، تجلس على الصوفا، تستند على الجدار وتمد في الصالون أرجلها الممتدة بما يجاوز طولها مرتيْن، سألتها باندهاش، لماذا أرجلها هكذا؟ ارتفع كتفاها، مال رأسها وأجابت: ما بعرف، هيك جا ع بالي الفن هيك، الفن مجنون، الفكرة لما تخطر عالفنان ما بيقدر إلا أن يستجيب لها، وسألتها عن البيت، عن سبب اختيار بيت قديم ليكون محضن فنها، كان ردها: خلقت في بيت هيك، وربيت في بيت هيك وعشت في بيت هيك، بحب البيوت القديمة، البيوت القديمة هي ما لازم تموت، ما لازم نتركها، شوفي حواليك، البيوت كلها راحت، طلعت عمارات بشعة كتير. وبينما كانت تحكيني، كانت الخلفية الصوتية لحديثها ويا للأسى طرقات المعاول وهي تبني عمارةً مستحدثة، بُنيت على أنقاض بيتٍ أصيل.

 جلسنا نجاح ولينا وأنا على الطاولة المستديرة حيث تخربش نجاح أفكارها، الطاولة بسطحٍ زجاجيّ، كل ما عليها متأهبٌ لاقتناص الفكرة التي قد تجيء بأية لحظة، ألوان من كافة الأنواع، شمعية، خشبية، مائية، باستيل، قطع من الفحم وأقلام رصاص، ورقٌ ملطّخ ووجوهٌ غير مكتملة، مسودّاتٌ لأعمالٍ سابقة وفنجانُ قهوة. أما الحائط بجانبها، فقد كُسيَ بلوحٍ جداريّ يجمع أغلفة الكتب التي صممتها سابقًا، الرسوم الأصلية للأغلفة، الصور التي استخدمها في أعمال التصميم، بُرقعًا بليرات فضية، قُصاصات جرائد وكل ما من شأنه أن يُغذي الإلهام أو يشعل جذوته.

نجاح الفنانة، أصدرت في العام 2009 كتابًا لسيرةٍ ذاتية، في الحقيقة، هي رسمت السيرة، رسمتها بريشةِ طفلةٍ تحاول القبض على المشاهد التي عاشتها في الطفولة، تصرّ نجاح على أنها لم تكبر، ” أنا عالقة هناك في ذلك الزمن الذي رسمته “، أسمت الكتاب ” الهجر ” لأن ذلك الزمن هجرنا وهجرناه..

في الحقيقة، سيرتها الذاتية في الكتاب تبتدئ قبل تخلّقها في هذا العالم، هي تحكي عن الأحداث التاريخية التي مهدّت للوضع السياسي لعائلتها لأن تاريخ الوطن هو تاريخنا بالضرورة، تحكي كثيرا عن جدتها فاطمة، قلت لها بأني ابتعت الكتاب لأقرأ سيرتك الذاتية ولكني عثرت على سيرة جدتك، جوابها كان: حياتي عادية، ولكن حياة جدتي مميزة، جدتي كانت حاكمة، قوية ومُهابة، جدتي رحلت في طفولتي ولكني ملهمة بها على الدوام، أنا فنانة ولست كاتبة، أردت أن أرسم، أرسم كل الذي رأيته، الكتاب مثل ما شفتي، الرسوم فيه أكثر من الحكي. ولكنك يا نجاح كتبتِ الحكاية بأسلوب شيّق. ” معلوم، على أد ما بقرأ، أنا ما بصمم غلاف لكتاب إلا بعد ما أقراه كامل، القراءة تحسّن الأسلوب “.

الأغلفة التي صممتها نجاح طاهر، أو قامت برسمها، يستطيع القارئ أن يميّزها من أول نظرةٍ على الرف، أغلفة تفتح الباب على عالم الرواية، ما يحكيه الكاتب في عشرات الصفحات، نجاح قادرة على أن تحكيه في صفحةٍ واحدة، صفحة الغلاف، قادرة على أخذك لمكانها وزمانها وتكشف لك عن بعض السمات النفسية لأبطالها، أغلفتها تحملُ رُموزًا ومفاتيح، ألغازًا واجابات، الرسم في منهاجها لُغة، كما أن الكلمات في منهاج الكاتب لُغة، ما أحدثته نجاح في عالم تصميم أغلفة الكتب هو طفرةٌ فنية، أسلوبٌ بديع، فنّ، فنٌ لا يُعرض بالمتاحف كما تقول، بل يحمله القارئ معه، يأخذه لبيته، يعيش إلى جواره، يضعه عند رأسه قبل النوم، على منضدته ويضمه إليه.

وانقضى اللقاء، مرّ كعُمرِ ساعةٍ من شمس الضحى، ودّعتها سَكرى، وقد ارتوت روحي العطشى للفن من خَمرةِ الحديث.

One thought on “الوجه الأدبي لبيروت : مُحترَف زاوية ولقاء الفنانة نجاح طاهر

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s