الوصول لمراكش : السفر لعالم الحريم

المُسافر إلى مرّاكش لا يُسمى مُسافرًا بل هيمان، عندما زرت المغرب للمرة الأولى، وقد حدث ذلك قبل ست سنوات، أطلقت على نفسي لقب للا إيلاف، ملأت عقلي بالخيالات المشرقية وحقيبتي بالثياب ذات الطرز العربي المذهّب، ابتعت طربوشًا وجُبةً بقلنسوةٍ تنسدل خلفها، تخضّبت بماء الورد، ترنمت بالموشحات، تكحلت بالأماني الملونة، خلت الطائرة بساط علاء الدين وطرت.

وحين وضعت قدمي في المدينة المغربية الأولى مرّاكش، وفرّ قلبي من بين أضلعي يجوس طرقاتها وأسواقها ورياضاتها، يصافح أناسها وساكنيها وخيالاتها، أدركت وبعد أن لحقته وعدت به للكويت، أن شقفًا منه ظلت هناك، أضعتها، وسأظل دومًا أتوق للعودة إليها..

السفر إلى عالم الحريم

          ليس الأدب فقط, العمارة, الفن , الأطباق والحضارة هو ما قد يغويني في زيارة بلدٍ ما, بالنسبة للمغرب الذي يجمع ويحوي كل ذلك, كان السبب الذي حبب إليّ زيارته, هو عالم النساء وطقوسهن ولباسهن وعاداتهن, المرأة المغربية هي التي جذبتني لزيارة المغرب في المقام الأول, بقفطانها وحمّامها ونقش حنّائها وطقوس عرسها, وحُليّها وجماليات حياتها.

          في ليّلة الدزّة  -الليلة التي تحمل فيها نساءُ عائلة المعرس المهر وهدايا الزواج المرتقب لبيت العروس- جاءتني والدة زوجي وأخته وعماته وخالاته بصندوقٍ مغربيّ الطراز, من الخشب المثبت عليه نحاسٌ مطروق , وأحجارٌ وزخرفاتٌ اسلامية مصنوعة من عظم الجمل بعد تقطيعه لوحداتٍ صغيرة وتلوينه, مبطّنٌ بالمخمل الذي طبع عليه أسميّنا ودعاءٌ بالخير والرفاه, بداخله سجّادة صلاةٍ وثوبٌ ومصحف, المهر, ومجموعة من العطور والبخور ودهن العود وصكٌ بقيمة صدقةٍ خيريّة كقربانٍ لمباركة الزواج.

          كل أسرة تقدّم الدزة بطريقة مختلفة, وتزيّن محتوياتها بما يناسب ذوقها, سرّني جدًا الخيار المغربي للصندوق المقدم لي, استبشرت برؤيته في الوقت الذي كنت فيه بأوج انغماسي في الثقافة المغربية, وبعد مرور ثمان سنوات, مازلت أحتفظ به ضمن ديكور منزلي, وأحرص على ابقاءه مغلقًا لألا تفلت منه رائحته العطرة حين خضّبه زوجي بالمسك والعطر والبخور قبل ارساله.

          لّلّا إيلاف, أطلقت على نفسي هذا اللقب تيمّنا بالأميرة للا سلمى زوجة ملك المغرب التي كانت إحدى الشخصيات الفائقة بالنسبة لي في مراهقتي, بشقرتها وبياض بشرتها وشعرها الطويل وقدها الفارع وتكشيطاتها الملكيّة وصور زفافها ولباس أطفالها في المناسبات الرسمية.

          مع انتشار صورها في المجلات النسائية وتحويلها لأيقونةٍ من أيقونات الموضة, تجدد وتضفي على القفطان لمساتها الخاصة, حتى عرف عنها أنها تبعث بالأقمشة إلى بلاد الهند لتطريزها هناك ولم تكن تكتفي كبقيّة الأميرات بمصممات وخياطي القصر, تابع العالم أخبار زفافها وولاداتها واطلالاتها الانيقة في المراسم والاستقبالات, بسببها, نشطت تجارة القفطان والتكشيطة في أوساط النساء, بدأت المشاغل الراقية في الكويت باستحداث قسم خاص لتفصيل القفطان بالاستعانة بخيّاطاتٍ مغربيّات, والمشاغل العادية حاولت تقليد القفطان المغربي بواسطة خيّاطين آسيويين بما تيسر من الاقمشة والكُلف الصينية الجاهزة الرديئة, وامتلأت المعارض بالبضاعة من المغرب, ولكن أغلبها كانت من القطع العادية التي تعرض بأسواق المدن القديمة,  قطعٌ ستبدو بالنسبة لمن لا يفهم جيّدا في أنواع الاقمشة وجودة التفصال مبهرة, ولكنها ليست من ذلك النوع الذي كنت أبحث عنه.

          تخيّرت لي قماشًا إيطاليا باهض الثمن من سلسلة محلات الجذور الراقية في سوق الأقمشة في الكويت ” البلوكات” كما نطلق عليه بالعامية, من فرعٍ متخصص بأقمشة السهرة والسواريه,  كنت أبحث عما يليق بجهاز زفافي, اخترت ثلاثة أنواعٍ من الأقمشة لتكشيطةٍ تتكون من ثلاث طبقات, بتدرجاتٍ لونية بين السكري والفضي والذهبيّ, الحرير للطبقة السفلى بلا أكمام, الطبقة الثانية من القماش المنسوج بشبكٍ من الخيوط الذهبية والفضية والبرونز متداخلة بشكلٍ كبير, والطبقة الثالثة منسوجة بنفس النمط ولكن بتداخلاتٍ أقل وفراغاتٍ أكبر, مشكوكةٌ بدوائرٍ صغيرة جدا من الترتر الشفيف لإضفاء لمعةٍ خافتة.

          حملت القماش للسيدة المغربية سناء والتي تملك محلّا متخصصا باللباس المغربي في الكويت, كما تقوم بتنظيم حفلات الزفاف أو الحناء على الطريقة المغربية, تأجر العمّارية – الهودج الذي تُحمل فيه العروس في طقوس الزفاف – والمباخر العملاقة والطيافر , كما تتعهد بتوفير النكّافة التي تشرف على تقاليد العرس والنقّاشة والنساء اللاتي يطفّن في العروس محمولةً على الاكتاف.

           أعجبت سناء بالقماش الذي وضعته بين يديّها اختارت لي السفيفة التي ستزيّن الاطراف والخيوط التي ستحاك منها أزرار التعصيب وحددت لي موعدًا مع الخياط الذي يعمل في مشغلها, السيد حسن, من أفضل من يخيط التكشيطة للعرائس في الدار البيضا, بعد أخذ القياسات واعتماد الموديل من كاتلوج فرنسيّ فاخر حمله معه, تم تحديد موعد بعد أسبوعين للبروفة وتقدير السعر بثلاثُ مئةٍ وخمسين دينارًا للخياطة والتفصيل, لم يكن المبلغ بسيطًا, ولكن رضيت مقابل القطعة الأصيلة التي سأضيفها لجهاز عرسي وستدوم معي طويلاً حاملةً الذكرى والأحلام الغضّة للبدايات الجميلة.

          أصبحت التكشيطة جاهرة بعد بروفتيّن وتعديلٍ بسيط , عندما اتضح شكلها, جاء وقت اختيار المضمّة – الحزام حول الخصر – أخرجت لي سناء من دولابها المليء بمضمات مختلفة الألوان والأحجام واحدة عريضة, مشغولة بخيوط الحرير السُكّري, بوسطها استدارة اقترَحَت أن يتم تركيب قطعة من الفضة عليّها لمزيدٍ من الفخامة.

          ارتديّتها في حفل استقبالٍ أقمته بعد زفافي, صففت شعري كعرائس كازا والرباط ومرّاكش, وضعت التاج ونقش الحناء ودعوّت الصديقات لليلةٍ من ليالي ألف ليلة, تمنيّت احياءها على الطريقة المغربيّة بالاستعانة بالسيدة سناء ونسائها ولكن كان حفلاً صغيرًا بما لا يسمح بكل تلك الطقوس , اكتفيّت ببعض اللمسات المغربية مثل الثريات النحاسية التي علّقتها في صالة الاحتفال والطواجن الذهبية الصغيرة المعبّئة بقطعٍ من الشوكولا تم توزيعها كذكرى للحاضرات .

          بعد أربع سنوات من تلك الليلة, احتفظت باسمي, للا إيلاف, وذهبت به لاستكشاف عالم الحريم في المغرب..

لم يكن وصلك إلا حُلما

          حملتي الطائرة, كبساط علاء الدين الذي حمل ياسمين أميرة القصر لسماءِ مدينةٍ كانت تتوق طوال حياتها لوصلها, للسير في شوارعها وتلمس مبانيها ورؤية أناسها.

           في الظهيرة, وصلنا مطار محمد الخامس في الدار البيضاء, ولأني كنت قد قرأت مقالاً  لأحد المسافرين قام بسرد تجربة زيارته لمرّاكش يذكر فيه بأن الطريقة الأقصر لبلوغها هي القطار بدلا من الساعات الخمس في السيّارة, أخذت حقائبي جريّا إلى المحطة, لم ألتفت لأصحاب مكاتب السيارات الذين حاولوا جاهدًا تقديم خيار تأجير السيارة أو الاستعانة بسائق, خوفًا من ان أقع تحت الاحتيال أو أن يطول بي الطريق.

          قطعنا التذكرة على الدرجة الاولى, ركبنا قطارًا جديدًا سريعاً بطابقيّن, واسترخيّنا على الكرسي المريح بعد عناء الرحلة الطويلة, كنت أنظر بسعادة من النافذة على البيوت الجميلة التي يمر بها والمطليّة جميعها باللون الأبيض وفقًا لقانون مدينة الدار البيضاء وتطبيقًا عمليًا لاسمها, لم تدم السعادة إلا وقتًا يسيرًا اضطررنا بعده للنزول من القطار للمحطة الرئيسية التي ستأخذنا إلى مرّاكش.

          ” سيصل القطار بعد عشرة دقائق ” , ” سيصل القطار بعد ربع ساعة ” , ” هناك تأخير بسيط عشر دقائق أخرى ” , هكذا كان يطمئننا مأمور البوابة الذي انتهى موعد عمله وسلّم مكانه لغيره قبل أن يصل قطارنا المنتظر, مرت ساعة ونصفها قضيتها بالحديث مع احدى السيّدات المغربيات كمصافحةٍ ثقافيةٍ أولى في الرحلة.

          بان من بعيد قطارٌ قديم, قطارٌ سكون أطول فخٍ أقع فيه في حياتي, بالرغم من أننا نحمل تذكرة الدرجة الاولى, إلا انها كانت مكتظّة عندما صعدنا, مكتظة بالناس الذين تتسربل وجوههم بوعثاء السفر وتبدو عليها ملامح الرحلة الطويلة, الناس الذين سيصيبنا ما أصابهم ما إن نحشر بينهم أنفسنا بحثًا عن مقعد.

          الساعتين المقررتين لمسافة الطريق, أصبحت ثلاثًا فأربعًا فخمسا, غابت الشمس وزحف القطار زحفا, توقف في محطاتٍ متعددة نزل فيها قليلٌ من الناس وصعد الكثير, واكتشفت بعدما وصلت أن الطريق السريع الجديد كان قد أفتتح بين الدار البيضاء ومرّاكش, وأن السيارات التي كان أصحاب المكاتب يرجوننا لاستئجارها من المطار تقطعه بساعتين, وأخفيّت هذا السر عن زوجي إلى اللحظة التي سيقرأ فيها هذا الكتاب ويكتشفه.

          عندما عدت للمغرب بعدها بسنتيّن, قطعت مع والدي الطريق الصحراوي نحو مرّاكش بالسيارة, كان المسير نهارا, والتربة حمراء والمدينة تستقبلك كواحةٍ من النخل الاحمر بين بُسطٍ ممتدة من الصبّار وأشجار التين الشوكيّ التي تستحوذ عليها الشركات الفرنسية لصناعات التجميل والصابون والعلاجات الطبيّة.

أهلا بك في الكرنفال

          مَرّاكش, مَرّاكش, حين تلفظ اسم المدينة يخيّل إليّك أنه أسمٌ لكرنفالٍ استعراضيّ, المدينة تبدو كمسرح, كمسرح في الهواء الطلق, يتحرّك فيها السيارات والمشاة والدراجات النارية من حولك بسرعة.

           فيما تسمع دقات حوافر الخيل على الطريق سينادي عليّك شابٌ مندفعٌ بعجلته ” هاكَ هاكَ هاكَ ” كيّ تبتعد, موسيقى فرنسية خافته تنبعث من مقهى صغيرٍ تمر عليه وتختلط بضجيج طبول الزنوج التي تُقرع لجذب السيّاح. والعيطة الجبليّة التي يستعرض فيها أحد الرجال قدراته الغنائية المزعجة علّه يكسب بعضًا من مال المارّة.

          شخوص المهرجان ستلتقيهم بكثافة في ” ساحة لِفنا ” القرّاب بلباسه الاستعراضي يعلّق على صدره كؤوسٍ نحاسية ويعتمر قبعة كبيرة الملوّنه يمد يده بكؤوس الماء ويبيعها للعطاشى, سيّدةً عجوز بجلّابة ملوّنة تقرأ الكف مقابل بضع دراهم وتبيع الأحجبة التي تطرد الجان وتجلب الخير الوفير, أختها بجانبها تنقش الحنّاء تلتم حولهن السائحات, يمددن أيديهن علّها تفصح عن شيءٍ من المستقبل, أو تُزَخرف كيدِ جاريةٍ منعّمةٍ بالحرير من محظيات السلطان, زنجيٌ بثوبٍ برتقاليّ يحملُ حقيبةً ملأى بأعشابٍ ووصفاتٍ دوائيّة, تعيد الشباب وتشفي السقام وتسري سريان السحر بالجسد.

          عروضٌ أخرى يديرها مؤديّ ساحة الفناء, ساحة العجائب, أحدهم يراقص قرده الذي يرتدي قبعةً وقميصًا كقرد علاء الدين, والعيساوي يعزف بالناي لثعابينه ومجموعة من الشبّان يتشقلبون ويتسلقون فوق بعضهم البعض بحركاتٍ بهلوانية.

          كل شيءِ حولك صاخب, ملوّن, يبعث في النفس بهجةً وسرورا, واجهات المحال تستعرضُ الأحذية الجلدية, أواني الخزف, التذكارات, الجلابيات, أباريق الشاي, الحقائب, لوحات الفنانين المحليين, السجاد والبهارات, كل البضائع تصف في الواجهة بشكلٍ استعراضيّ يشد نظر الزبون ويجذب ما في جيّبه.

          في زيارتي الأولى للساحة, كنت كالطفل المأخوذ ببراعة السيرك, أقف أمام فقرةٍ فقرة, أضحك وأتعجب وأجزي بالنقود, عندما عدت لمرّاكش مرة أخرى, اكتفيت بالجلوس في الطاولات الخارجية لمقهى ” فرنسا ” أقدم مقاهي الساحة والمدينة, أتناول القهوة وأتفرّج بسكون على الصخب الذي يموج به الناس من أمامي, كان مقعدي في المقهى كمقعدٍ على مسرح الحياة.

          مرّاكش من الوهلة الأولى ستبدو لك بداخل سورها القديم كقصرٍ أسطوريّ مترامي الأطراف، شاسع المساحة، متفرّع المعابر، بألف ألف بوابةٍ خشبيّة, وألف ألف قوسٍ مزخرف ومئات الحواري والدروب, مبنيُّ من طين الأرض الأحمر،معجون بالتاريخ ومنغلقٌ على ألف ألف سرٍ وحكاية.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s