بلاد العربي سوسه : الحضور الأخّاذ للون الأزرق ، دار قمر ودار تيزيري 13

عندما قصدت سوسه، وجعلتها وجهةً أساسية في قائمة الوجهات التونسية، كان ذلك بسبب ثلاثٍ من بيوتاتها. داخل الأسوار، يسمون الجزء القديم منها ” بلاد العربي ” بلاد العربي تلك هي نموذجٌ مثالي للمدينة العربية القديمة بأسواقها ومقاهيها وبيوتها التي يتجمد فيها الزمن، يقف في أزقتها، تخال أنه لم يجرِ، لم يمر ولم يذهب، كل شيءٍ هناك يوقعك تحت تأثير الغواية، كل شيءٍ فيها متروكٌ على سجيته، نشأته الأولى، كما كان في البدء، هذه الحالة من النقاء، هي ما يعيدني دومًا للمدن العربية العتيقة.

البيت الأول الذي جاء بي إليها، هو النزل الذي اخترته للسكنى، دار أنطونيا ، أما البيتين الآخرين، فقد وقعت أسيرةً للحضور الأخّاذ للون الأزرق فيهما حين رأيت الصور وأنا أعدّ جدولا لرحلتي.

دار قمر:

غادرنا في الصباح دارنا، سرَيّنا في الدروب المندسّة بين البيوت القديمة، تتلوّى بنا الأزقة، وتسبقنا أرواحنا تنساب فيها كجدولِ ماءٍ يترقرق جذِلاً بما يرى، الجدران من الخارج مطليةً بالبياض، أو بدرجةٍ سماويةٍ فاتحة من الأزرق، تتخللها بعض العرائش، تمتد من إصيصٍ إلى شبّاك، خصلاتها تنساب بجانب السائر، وياسميناتٌ تتعشّق الأبواب، يهطل منها الزهر الأبيض الصغير كلما همت ريحٌ بالانسياب خلالها، والأبواب مَسّتها فُرشات الفن، صُبغت وزُيّنت برسومٍ ورموز، جوقةٌ من الأطفال يلعبون الكرة، ومولى دارٍ يهم بمغادرة داره، وصبيّةٌ تكنسُ ما نفضته شجرة اللبلاب المتسلقة من يباسِ أوراقها قبالة مدخل البيت.

تبعت اللافتة التي تشير إلى ” دار قمر ” وعبرتُ بابًا صغيرًا إندلق منه عليّ حين عبرته عالمٌ من اللون الأزرق، تكسر حدّته الألوان، الأصفر والفستقيّ والأخضر عبر الأثاث الموزّع والسياج المصبوغ، حُوّلت الدار لمقهى، ومُلتقىً ثقافيّ اجتماعيّ لأهالي سوسه، يقصدونه لإفطارٍ يذكرهم بإفطارٍ تعده الأمهات، أو لقهوة العصر تلتف حولها الأحاديث والضحكات، أو لحلقةِ نقاشٍ وأمسيةٍ موسيقية، أُثث فناءه بطبلياتٍ خشبيةٍ خفيضة، وكراسٍ رُسمت بأطيارٍ وعناقيد عنبٍ وأشكالٍ مهندسة، أزيل الجدار من الغرفة الأرضية وفُتحت على الفناء لتوسعته، على حدودها القديمة، نُصبت ألواحًا خشبيةً على هيئةِ أقواسٍ مُدببةٍ في أعلاها.

بلغناه باكرًا، كان قد اصطبح لتوه، وتعبتنا إليه امرأة متقدمة العمر، ممتلأة الجسد، حيّتنا وقد كانت تحمل بيديّها أكياسًا دخلت بها للمطبخ، لم يكن ثم نادلٌ أو محاسبٌ أو من يقوم بالخدمة، كان البيت مفتوحا لكل من يدخله، بعد أن وضعت متاعها وأعادت ترتيب الايشارب حول شعرها، حييتنا المرأة مرةً أخرى، برزانةٍ وهدوء وصوتٍ خفيض، أهّلت بي: نهارك زين، شِنو تحب نضيفك؟ فعرفت بأنها القائمة على الخدمة، يساعدها قريبٌ لها في المطبخ وصبيّةٌ انضمت لهما لاحقًا عندما بدأ الناس يتوافدون لتناول الافطار من مطبخهم الصغير.

سألتها أن تُسقينا القهوة المزهرّة وشاي بالنعناع، فالتفت على الشاب وطلب منه أن يجري للسوق حتى يجيء بالنعناع فقد نفد من مطبخهم ونسيت أن تشتريه في مرورها الصباحي على متجر البِقالة، هكذا استقبلتنا الدار، كضيوفٍ في حضرة أسرة، لا زبائن في مقهى، عند خروجي، سألتها، ما هي حكاية الدار؟ أجابت، الدار دار أهلي، باهية برشا، خرجنا منها لكن تركناها مفتوحة، يجو الناس يطلوا عليها باش يشوفوها، يشوفوا تراثنا، نحبوا التراث.

الروح الشعبية في تأثيث الدار جلعتها أكثر حميمة، كانت تشبه الأسرة الصغيرة التي تعمل بداخلها، وتشبه الزائرين الذين صادفناهم هناك، اتخذت مجلسي على مصطبةٍ صغيرة، شربت القهيوة السخونة ونكهّتها بقطيرات الزهر، وقدمت لي بديعة، سيدة الدار قطعٌ من المقروض المُحلّى بالعسل، كمذاقٍ حلوّ وضيافةٍ حفيّة من يديّها الكريمتان.

تيزيري 13 :

ليس ببعيدٍ عن دار قمر، تغرق دار تيزيري 13 في زُرقتها هي الأخرى، الدار ابتاعها الفنان التونسي ابراهيم زرّوق، وأحالها فضاءً ثقافيّ، مقهى ومسرح ومضافةٍ للفنانين والموسيقيين الذين يزورون المدينة، اختار لها اسم ” تيزيري 13 ” أي ضوء القمر، البدر حين اكتماله وإشعاعه، بنيت الدار على هيئةٍ أمازيغية، تحمل جدرانها الداخلية نقوشٌ ورموز تعبيرية من الثقافة الأمازيغية أشار لي عليها أحد العاملين فيه، لم يمسسها ابراهيم، تركها على حالها الذي خُلقت عليه منذ عقود. كان البيت مخضّبٌ بأكمله بالزرّقة، زيارتي له، كانت بمثابة ن يوغل أحدهم بداخل اللوز الأزرق، أن يلمسه ويحسه ويغمر روحه به، كانت زُرقته عميقة ومتوهجة، وتزيدها البسط الملونة المفروشة، توهجًا وسطوعا.

في الطابق العلويّ، ثمة جناحُ خاصٌ لسكنه، يشرف منه على الفعاليات المنعقدة فيه، أو يختلي به في أيام راحته، وفي الطابق العلويّ أيضًا شعرت بألفةٍ فائقة حين مررت بطقم الجلوس المزيّن بالصدف، المطعّم بالزمن والذكريات والمنجد بالبروكار الدمشقيّ العتيق، وقد تهاوت بعض قطعه مع مرور الأيام كان هو أكثر ما طُرب قلبي لرؤيته، في البيوت العربية، من غير الممكن أن يشعر أحدنا بالغربة، مهما تباعدت المسافات وتنوعت المدن، لا بد وأن تعثر في تينك البيوت على ما يشبهك، على ما تشعر بالانتماء له، على ما يلامس شيئًا بداخلك.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s