زيتون

” كان الظلام لا يزال مخيّمًا والأطفال وحدهم النائمون, استعد القرويون لصلاة الفجر, اليوم صلوا في الهواء الطلق بخشوعٍ خاص يليق ببداية موسم قطف الزيتون, في مناسبة بهذه الأهمية لا ينبغي تسلق التلال الصخرية إلا بضميرٍ وسريرة نقيين وطاهريّن “

*بينما ينام العالم, سوزان أبو الهوى

          موسم القطاف هو الموعد العشقيّ المنتظر بين الفلّاح والأرض كلما دار على الشجرة الحول, والزيتون المتكوّر على أغصان الشجرة المباركة في الأديان والأساطير وحوض البحر الأبيض المتوسط, موسم قطافه هو الخريف.

          يؤخر والدي جمع زيتوناته إلى تشرين الثاني / نوفمبر, حتى يجفّ ماؤها ويكتنز فيها الزيت, يدعو القرويين والفلاحين في محيطه لمشاركته هذه الاحتفالية السنوية التي ينتظرونها كل عام, لا يأخذون أجرًا وفقًا للعرف السائد في بساتين الزيتون, بل يشاركون صاحب الأرض غلّته, يكون أجرهم هو ثلث الزيت المعصور وكيسٌ من حصيلة الزيتون يغرفون منه لموائدهم لعامٍ بأكمله, حيث يعتبرونه ” شيخ السفرة ” بلا منازع.

          فعالية القطاف, فعاليةٌ عائليّة تتحلّق فيها أسرٌ بكاملها حول الأشجار, يأتون معهم بما يكفيهم من الزاد لنهارٍ طويل, حتى إذا ما تعبوا من الوقوف استراحوا في الظلال, تناولوا غداءهم ورددوا الأهازيج و ” على دلعونه وعلى دلعونه زيتون بلادي أحلى ما يكونه ” .

          تحوّل حبات الزيتون من الأخضر الغامق إلى الأخضر الفاتح هي العلامة التي تؤذن بقطفه, تُفرش ابتداءً البُسط أسفل الشجر, تُهز الأغصان برفقٍ وحنيّه حتى لا تؤذى أو تتكسر, فتنهمر حبات الزيتون, أما ما ظل متشبثًّا منها في الغصن, فتمتد له الأيدِ ليُقطف.

          تُفرغ البُسط في مكانٍ واحد تحت الظل حتى قطف آخر زيتونه, يُجمع الحصاد في أكياسٍ كبيرة, تُخيّط ويحكم إغلاقها, وحسب المثل القائل ” من الشجر إلى الحجر ” فإنها تُحمل مباشرةً للمعصرة, كل تأخيرٍ في عصر الزيتون يقلل من جودة زيته.

          يُنقى المحصول من الأغصان والأوراق العالقة فيه, يٌغسل في الماء, يُطهّر, ويفرغ في آلة العصر, عند الصنبور حيث يكاد الزيت يضيء وهو ينهمر ويتدفق, يجلس والدي ممسكًا بالتنكة المعدنية التي لصقت عليها ورقة تحمل بيانات صاحب الزيتون, يمسكها ويعبئها جذلاً بزيته الخاص الذي سيحمله معه لمزرعته, سيأكل منه, وسيهديه في قنانٍ زجاجية للأهل والأصدقاء في الكويت.

          أما الجزء المتبقي من الزيتون, فيتم تجريحه وغسله ونقعه بالماء, بعد إعادة العملية ليومين, يُرص في المرطبان الزجاجي, يضاف له الملح وشرائح الليمون والماء والزيت ويخلل للاستخدام ويتخذ مكانه في دولاب المونة, تلك هي الطريقة التقليدية لحفظه, أما ستات البيوت المأدّرات, فيتفنن كل واحدةٍ بصنع خلطتها, السماق والجزر المبشور والفلفل الحار, اغصان الزعتر الرطيبة أو النعناع المبشور, تقطيعه وخلطة بالجبن واضافة حبة البركة أو السمّاق.

          في المعصرة, بعد استخراج الزيت, تجمع بواقي الزيتون في قوالبٍ مكعّبة توضع في الشمس لتجف وتحفظ لاستخدامها كوقودٍ للتدفئة في الليالي الشتوية الباردة بجانب الأغصان الميّتة التي يتم جمعها من تقليم الشجرة في نهاية موسم الحصاد, شجرة الزيتون المباركة حتى فيما تخلّفه.

          ولأنه ” قد ما تعطي الشجرة بتعطيك ” فتهيئتها للموسم المقبل يكون من آخر يومٍ في هذا الموسم.

          يبدأ الفلاحون وبعد أن غمرتهم نشوة القطاف والعصر والحصاد, بتقليم الأغصان المتضررة أو المجروحة, أو تلك المتشابكة التي تمنع الضوء والهواء عن الأغصان الداخلية والثمار المرتقبة, ثمرة الزيتون تنضج تحت حرارة الشمس, وأفضل زيتونٍ هو الذي يأتيه الضوء من كل اتجاه.

          كما تُزال الأغصان القريبة من الأرض, وتسمّد التربة وتغسل الأشجار وترش ويُطلى جذعها بالأبيض حتى تُحمى من الأمراض الفطرية والأرضة والحشرات, وتُستوّدع الشجرة في حمى الله والأرض إلى أن تفيض في الموسم القادم.

زيت الزيتون شفاءٌ وغذاء, تؤمن به والدتي كهبةٍ من هبات الله المعجزة, تدهن به شعورنا لتُفرَد وتلتمع وتطول, تغسل أجسادنا بالصابون المصنّع به وإن شكوّنا ألما في أرجلنا جرّاء الوقوع تسخّنه وتمزجه بالكركم وتمسّجنا به, أو تمسح به على صدورنا مع حرصها على ترديد المعوّذات وسورة الفاتحة حين تحتقن جرّاء برودة الشتاء وأمراضه, طفولتي كانت مخضّبة بزيت الزيتون, ورائحته ونعومة ملمسه, الزيت الذي كان يحمله والدي من رحلاته إلى سوريا, وصار يحمله من زيتونه الخاص لتستمر والدتي في ممارسة طقوسها تلك على أطفالي من بعدي وتخضّب به ذاكرياتهم.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s