سوسه : دار أنطونيا، الحب الذي تحول لدارِ سُكنى

الدور العربية مشيّدة بشاعريةٍ مُفرطة واحساسٍ مُرهف، أيّانَ جئت إحداها انبجس الشعر من كل زاويةٍ فيها وتدفّق من الجدران، دار أنطونيا كانت احدى تلك الدور التي تملّكت حواسي ما إن دخلتها، دارٌ مشيّدةٌ للسلوى، ملاذٌ في مدينةِ سوسه، رُكنٌ تأوي الروح إليه في سفرها البعيد.

لباب الدار دقاقات، واحدة تكون لوالي الدار وواحدة للغرباء، حتى تعرف الزوجة بالداخل مِن صوتها مَن الطارق، طرقتُ بابها الموصد ليلا، والمدينة تغط في نومها الهانئ وقد سكن فيها كل شيء، فانفتح على مَمرٍ صغير، النصف السفليّ من جداره مكسوٌ ببلاطاتٍ صفراء يتخللها نقشٌ أزرق، ويستند عليها صندوقٌ خشبيّ عتيق بذات الألوان، قيل لي، بأنه الصندوق الذي تستخدمه العروس في جهازها لتنقله معها إلى بيت الزوج بعد القِران، ذلك الجزء الصغير في مقدمة البيت، والذي استقبلني بدرجةٍ مشبعة من اللون الأصفر، كان ” السقيفة ” حيث ” أول ما ندخلوا من الباب نلقاو السقيفة، السقيفة هي المكان الي نحطو فيه الناس تستنى، ممكن لما ندخل لوسط الدار يكون في نسا بيعمل كسكس أو يعملوا حاجة، لازم لما يجي واحد ميعرفناش يلزمو سُترة، وبعده إذا نحب ندخلو ندخلو ” . هكذا حدثني مالك البيت

المدينة القديمة حين يغشاها الليل يهبط عليها السكون، والدار كانت غارقة في سبات المدينة وسكونها، إلا من صوت رقرقة الماء في فم البحرةِ التي تتوسط الفناء، وبتلات الأزهار تسبح على وجهها، أحب دومًا أن أصل للمدن في النهار حتى أرى وجهها جليّا، ولكن، بالنسبة للدور العربية، أحب أن أصلها ليلا، أن أتشرّب جمالها رشفةً رشفة، حتى إذا ما انبلجت الشمس وانجلت الظُلمة وتباهجت الدار أعبّء عيني بجمالها الخالص وقد تَمّ واكتمل.

على عكس الدور التونسية التي دخلتها وكانت متروكةً على سجيتها الشعبية، دار أنطونيا كان يغلب عليها الحس الفنيّ المدروس، الذي يمزج التراث بقواعد التصميم، ثمةَ لمسةٌ لم أجدها في غيرها من الدور، في الصباح، تبدى السر الخفيّ وراء ذلك ما إن دخلت السيدة الفرنسية الشقراء، أدارت الموسيقى في الجهاز الصوتيّ وبدأت بإعداد طاولة الإفطار على وقعِ تغريد العصافير ورقرقة الماء.

الحُب يأخذنا دومًا لأماكن أجمل، لأمكنةٍ لم نكن نتخيل أو نتوقع أن نبلغها من قبل، هذا ما حدث مع السيدة الفرنسية سونيا أنطونيا حين أغرمت بالشاب التونسي سامي المثلوثي فأغرمت معه بمدينته، استملكت وإياه الدار، وحولاها لنُزلٍ يجسّد حكاية الحب تلك.

” سميتها دار أنطونيا خاطر زوجتي هي سونيا أنطونيا، هي فرنسية الجنسية بتحب كثير تونس، بقالها في تونس عشرين سنة، وربت الولاد على الإسلام الحمد لله، حُبًا لها، وخاطر هي تحب البلاد والبلاد العربي تاعنا سميت الدار دار أنطونيا ” هكذا اجابني السيد سامي حين سألته عن سبب اختيار الاسم.

الدور تهرم، تشيخ وتتهتك، تتشقق جدرانها، تتكسر بلاطاتها، يضيع إرثها الثقافيّ، ذاكرة قاطنيها، حاجيات ربة البيت، حكاياتها وتاريخها العائلي، يحدث ذلك على الدوام، تفقد المدن هويتها حين تفقد أبناءها الذين يغادرونها للسكن خارج الأسوار، مديرين ظهورهم لتاريخهم، راكضةً قلوبهم صوب الحداثة، هاربين من فسحة هذه البيوت، للانحشار بداخل شُققٍ في عماراتٍ شاهقة، هناك حيث الاسمنت هو الوجه الوحيد الذي يرونه من المدينة.

ولكن، يحدث أن تنجو الدار، أن يكتب لها الله خلقًا جديدًا على يدِ عاشقٍ شغوف، يحنو عليها، يرمم جروحها، يجمّع تاريخها، يعيد رسم أسقفها وطلاء أخشابها وإصلاح ما عطب من أثاثها، يعيدها للحياة، ينذرها للعيش الرغيد من جديد.

وهذا تماما ما حدث مع ” دار عريفة ” أي دار الجدة التي كانت تعلم فتيات المدينة، يتتلمذّن على يديها، تعلمهن الأبجدية والقرآن والتطريز، فتخرج من بين أيديهن أجمل أغطية العرائس، هذه الدار كما يقول سامي ” هنا كانت العريفة تعلم الفتيات المايجوش المدرسة تعمل الطريزة التونسية، شفتها عالفروشة، هي الطريزة التونسية الحرّة ، الدار دار جدود، متوارثة في عيله، الأب والأم راحوا، والولاد تزوجوا، والدار صارت لحالها رممناها سنتين ونص، وصممها المصمم الفرنسي فيليب غزيري، تاعو روك ذا قصبة، شفنا محلوا في سيدي بوسعيد وحبينا يجي يعمل الدار ”

المصمم فيليب عندما استلم الدار، ألبسها اللون الأخضر الفاتح، واستعان بالحرفيين التونسيين لإنتاج قطع أثاث مستوحاه من البيئة التونسية كما يفعل في تصاميمه، الفناء كان متخففًا من التفاصيل، مكتفيّا بزحام النقوش في الجليز الذي يكسو الجدران، وُزّعت به كراسٍ خشبية مُتعففة عن أي لونٍ أو تفصيل، أما الغرف، فأربع، لكلٍ منها تصميمٌ مختلف، أجملها التي كانت من نصيبي، بسريرٍ تونسيّ يرتفع عن الأرض، مبروز ومنقوش كهودجٍ أسطوريّ، لم أرى له مثيل في المدن العربية الأخرى، المُدن عادةً تتبادل ثقافاتها وفنونها، في كل مدينةٍ أجد ملمحًا كنت قد رأيته في سابقتها، ولكن في بيوت تونس العتيقة كان السرير المرتفع، المصمم كهودجٍ من الألواح الخشبية المزخرفة، المنحوته والمُذهّبة لم أرى مثيله بالأسفار.

سألت فقيل لي في العاصمة أنه ” فرش الباي ” جلبه البايات معهم حين حكموا تونس، في القيروان قيل لي بأنه ” فرش بيت حجام “، في مدنٍ أخرى يسمونه الخلوة أو الدكانة، وحين استعنت بأحد الحسابات التي تُعنى بالثقافة التونسية في الانستجرام، فطرح تساؤلي على متابعيه، كان أجمل جوابٍ وقعت عليه ” عندنا منها في دار جدي، كنا نسرقوا أرواحنا باش ندخلوا لريحة البخور المزيانة والعنبر الفاوح، دايما جدي كان يخلي هدايا العيد في خزانة تجي عادة في الجهة المقابلة للمقصورة باش يمدهالنا في وقت اللمة، وحنا منستناوش باش نعرفوا.. أيام الصغر.. ليتها ترجع ” عندما قرأت هذا التعليق، كنت كمن يعبُّ شرابًا باردًا بعد عطش، إذ أن الذكرى بكل دفئها وحميميتها أهم وأعذب بكثير من الحكاية التاريخية.

في الدور العربية، أحب أن أقصد السطح، هناك تنكشف أمامي المدينة بأكملها، بحواريها وأنهجها ودروبها، بمآذنها وساحاتها وأسواقها، بأسوارها وقلاعها وأسرارها المتوارية، حين صعدت لسطح دار أنطونيا، كانت الياسمينة تُطل عليها من علوّ وقد امتدت من الفناء، تسلقت الجدران المغطاة بالجليز الملون المنقوش، مرّت بأبواب الغرفات، منحت عطرها للزوايا، وأكسبت البيت رائحته.

السفر غيّر بي أشياء كثير، ولكن من أهم ما غيّره بي، هو احساسي اتجاه الألوان، وارتباطها في ذاكرتي، في السابق كان هناك لونٌ أزرق وزهري وأحمر وأخضر، والآن يوجد أزرق شفشاون، زهري بيروت، أحمر اسطنبول وأخضر دار أنطونيا، أصبحت الألوان تتخذ أحساسها ومسمياتها في حديثي وذاكرتي بحسب البيوت التي سكنتها والمدن التي زُرت، الألوان لها ذاكرة ودلالات، الألوان لها القدرة على اثارة الحنين أو الحزن أو الفرح، تماما كالرائحة والصوت والمذاق.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s