سياحة الضيعة في لبنان : بيت دوما

سياحة الضيّعة

          في طريقك إلى الضيعة بإمكانك أن تسمع فيروز تنادي جارتها ” ألا جئتِ نسهر, فعندي لوزٌ وتينٌ وسكر” بإمكانك أن ترى “مرسال المراسيل عالضيعة القريبة ماخذ بدربو المنديل ليعطيه لِحبيبا ” أن ترى “بيت الست الختيارة يلي بيذكرها ببيت ستا” و ” الطاحونة ع نبع الميّ قدامها الساحات مزروعة فيّ”.

          الضيّعة اللبنانية مجسّدة في أغنيات فيروز وكلمات الرحابنة, بقرميد بيوتها وحجارتها وأشجارها ورمانها وتينها وتفاحها وشخوصها, متجسدة بمواسمها, بالصيف وبالشتي, بالخريف وبليالي العيد وبمواسم القطاف, كلما وقع عيّنك على شيءٍ في الضيعة, سيهدر في رأسك صوت فيروز مغنيًّا إياه.

          اخترت ضيعة ” دوما ” الجبليّة لتجربة الحياة في واحدة من أجمل الضيع اللبنانية, وللسكن في ” بيت دوما ” أحد البيوت التي افتتحت ضمن مشروع ضيف لبنان الذي كتبت عنه سابقًا.

          كانت السيّارة تتهادى بين جبال قضاء البترون, تقطع الطريق وتمر بالضيّع المتناثرة, مبتعدةً كل البعد عن زحام بيروت والساحل وموغلةً في هدوء الطبيعة ورواء البال.

          في الضيّعة, تسري الحياة على مهل, بصوتٍ خفيض ومزاجٍ عال, كموسيقى تنبعث من راديو ربّة منزل تعد قهوتها في الصباح, مجتمع الضيّعة صغير, أغلبه من الختايرة الذين يتمسكون ببيوتهم ودفء حياتهم بين الجبال وواحد أو أثنين من أبنائهم الذين ولدوا في الأرض فالتصقوا بها, كما بدا لي واضحًا في الساعات التي قضيّتها أتفتّل بين البيوت وأتلصص على الأحاديث العابرة أن سكان الضيعة هم عائلة واحدة كبيرة ليس من بينهم شخصٌ لا يعرف الآخر, سيلحظون وجود الغريب بينهم من أول دبّةٍ تدبها رجله على ترابها.

          كانت الجارات يتبادلن تحيّة الصباح من الشرفات, بثياب النوم والشعور التي لم تصفف بعد يلقين نظرة على الشارع والتحايا على العابرين ويعدن لمباشرة شؤونهن بعد تبادل نشرة موجزة عن اخبار الأمس على الملأ!

          عندما جلسنا بعد الظهيرة لتناول الغداء في المطعم الذي افتتح حديثًا على يد مهاجرٍ سوريّ بعدما دلّ السياح أمثالي طريق الضيعة, كانت الطاولة المقابلة لنا تمتلئ بالزبائن شيئًا فشيء, لم يكن الاجتماع مخططا له, كانا شخصيّن فقط, ولكن كلما مرّ أحدٌ في الطريق تبادل معهم السلام فالكلام فالأهوي فالطعام.

سوق الضيعة يكاد يكون أجمل ما فيها, دكانة مونة, فرن منائيش, قهوة عالمفرئ, محل لبيع التذكارات والزجاجات ومفارش الكورشيه المحاكة بيد صبيّةٍ شقراء وسماءٌ مسقوفة بعرائش العنب. احتفظ السوق ببواباته الخشبيّة القديمة, وتفنن السكان كلٌ بتزيين وتلوين بوابة دكانه برسومٍ بهيجة تعبر عن بضاعته, زيّنوها بالأزهار والقبعات الريفيّة وعناقيد المحاصيل المجففة.

          قبل زيارتها, قرأت مقالاً يصف ضيعة دوما لجمالها وتفرّدها عن بقيّة الضيع, بأنها استيديو طبيعي, فيها تم تصوير العديد من الأعمال الفنيّة, مثل فيديو كليب نجوى كرم ” كرمال حبك ” والذي يظهر فيه السوق القديم جليّا بالإضافة للمنزل الأشهر في الضيعة المغطى بالكامل بأوراق شجرة مخلب القط, كما تم تصوير فيلم هلأ لوين للمخرجة نادين لبكي وفيلم سفر بلك لفيروز.

          طلبت من إحدى نساء الضيّعة أن تدلني على البيت حيث تم تصوير فيلم فيروز فقالت ” ييّ, مابئي منو شي, هلّا ساكنينو العمّال , ليكي , أنتي بتحبي تشوفي البيوت الأديمة, تفضلي, بيتي أديم شوفيه من جوّا, هيدا بيت ستو لبييّ ” قبلت دعوتها على الفور, وصعدت الدرج باتجاه باب البيت, البيت الذي احتفظ بأثاثه ودفئه وذكرياته من أيام مالكته الأولى.

أخذتني بعدها إلى حيث ” دكانة الخضرة والمطرح الي خبو فيه السلاح والعرس وهون وئفت فيروز وغنت “, في فيلم سفر برلك.

          في طريق العودة مررنا بكرمٍ صغيرٍ للعنب يمتد أمام أحد البيوت, بينما تجني العائلة حصاده توقفت لالتقاط الصور, فقدّموا لنا الدعوة للقطف معهم أو أخذ بعض العناقيد معنا, شكرتهم ومضيت.

كم أحب مواسم الحصاد, الأشجار حين تفيض بعطاء الله, فرحة الفلاح بالثمر وامتلاء السلال.

بيت دوما

           بيوت الضيعة قرميدٌ وحجر, مصطباتٌ وقناطر وسورٌ يحد أشجار الحديقة, بيوتٌ تتدرج على الجبل, كلٌ منها يُعرف بصاحبه, بيت الحكيم, بيت عمو سمير, بيت المختار وبيت دوما.

          يقع بيت دوما في الدرجات العليا من الضيعة/ الجبل, ينحدر من تحته بستانه, يُشرف عليها من علوّ, يتميّز عن بيوتها باللون الأصفر لشبابيكه الخشبية وبوابته الحديد.

          يقول ربيع كيروز مصمم الأزياء اللبناني وهو مالك البيت بالشراكة مع السيد كمال مزوق والذي يملك مشروع سوق الطيب ومطعم طاولة اللذان تطرقت لهما سابقًا, يقول بأن البيت ليس مشروعًا تجاري, بقدر ما هو تجربة ثقافية يتبادلها مع نزلاءه, يقول فكرّنا بشراء منزل واستضافة الناس, بعدما كنا نستضيف أصدقائنا من أنحاء العالم لسنوات, بحثنا عن ضيعة هادئة فكانت دوما, وبحثنا عن منزل لبنانيّ فكان هذا البيت المبنيّ من القرن التاسع عشر.

          تصميم البيت من الداخل يعبر تماما عن مالكيه, طاهٍ ومصمم أزياء, الكثير من الأواني, اللوحات المرسومة لنباتات وأعشاب, قطع أقمشة مشدودة على براويز ومعلّقة على الجدران, أغصان خضراء, ومكتبة تمتد إلى السقف مليئة بكتب الطهي والزراعة وتنسيق المائدة والديكور من عدة ثقافات.

          لعل الفوضى هي القاعدة التي تم اعتمادها حين تأثيثه, بعيدًا عن مساطر المهندسين ونصائح المصممين والصور المتكلّفة في كتالوجات الديكور. أصفر, أرجواني, بيج, أخضر والكثر من الأبيض كلها في غرفة واحدة ولكن بما لا يزعج العين ولا يشتت النظر, بل بتجانسٍ مريح, يتسق وروح الحياة في الضيعة, ألوانها وثمارها وسمائها وأرضها، كل قطعة اتخذت مكانها بعفوية، اللوحات والزريعات والموكيت العتيق والكنبات غير المتطابقة، كان متحرًا من قواعد التصميم، متماهيًا مع ضيعته.

          الغرف قليلة, يحد ذلك من الزحام في البيت, حين تفتح شرفاتها في الصباح ستطل على الجبال, وتطل عليك منها ثريات العنب المدلاة, والغيّمات العابرة والسماء.

الصالون في الطابق العلويّ تتوّجه ثلاث قناطر، بس تطلع الشمس، بيتعبى بالضوّ، القناطر في البيوت اللبنانية بواباتٌ للضياء، تتيح لصالون البيت أن يتواصل مع الخارج، مع الشجر والنور والسماء والأرض الخضراء الممتدة أمامه، تجعل الضيعة بكل مسراتها تمتد لداخله،

          في الأماكن البعيدة، حيث البيوت المشيّدة بين الجبال أو المستلقية في السهول أو المنفردة بوجه البحر. يبدو الصباح أقرب إلى روحك، وكأن ثمة شمسٌ تخصك وحدك، من أجلك تجيء، تملؤك بالنور والضياء هذا هو الاحساس الذي بعثته فيَّ الشمس حين عبرت النوافذ الزجاجية الشاسعة للركن الخلفي من بيت دوما، حيث الفناء الصغير الذي تسقفه شجرة تينٍ ضخمة، وفي جانبه الأيمن طاولة عليها تُجفف الفواكه وحبوب المونة، وتقضي العاملات بواكير الصباح في انتقاء أوراق الجرجير والكزبرة المقطوفة من الجنينة وفرم البقدونس لتبولة العشاء.

          نزلت وإذ احدى العاملات على مصطبةٍ حجرية تقوم بذلك ابتسمت، وأشارت أن ” تفضلي, فيكي تشاركيني”, ساعدتها وبعد أن انتهينا توجهت لطاولة الإفطار.

          ” كل شي عالطاولة نحنا بنعملو. الجبن من البقر البلدي واللبنة الحامضة ومنؤوشة الزعتر يلي ساويها على ديّاتي ” هكذا يتباهى الشف السوري زهير بمائدة الافطار التي أعدّها لنا بجانب بحرة البيت في الفناء.

” دوئي كمان حلاوة الطحينة وأصابع المعمول هَي إمّا لسارة البنت يلي استأبلتكم هي بتعملا ” – اممم، ما أطيبا, وعندما طلبت منه اضافة النعناع للشاي، ” تكرمي، دئيئة ” وقطف النعناع من حوض شجرة الزيّتون بجانبي، غسله وقدّمه.

          هكذا, بكل لذةٍ وبساطة, عطاء الأرض كان أطيب ما يمكن تناوله على مائدة الافطار، حصاد الحديقة في بيت دوما، من الأرض إلى الطبق، مسرّاتٌ يغمرنا بها الريف، وتغيب عنا في المدن.

اخترت أن تكون طاولة الإفطار في الخارج, تشرف على الضيّعة والجنينة, جنينة البيت حيث كانت سارة تقطف الأزهار البرية تمهيدًا لغسلها وتوزيعها على المزهريات في أركان البيت.

          وفي العصريّة ولأن ” البيت بيتك ” كما يُشعرك العاملون في بيت دوما. فبإمكانك أن  ” تساوي فنجان أهوتك على ديّاتك متل ما تحب “. ومن طاولة الضيافة المحتشدة بما لذ وطاب من الفاكهة وأصناف الحلويات العربية ” فيك تختار على زوّءك شو هّيَ التحلايه ” ثم تحتسيها في حديقة البيت، بجانب شجرة الزيّتون وتحت الغيّمات.

كبة وشنكليش

          يُعرف بيت دوما بحفاوته, وكامتدادٍ لمطعم طاولة وسوق الطيب واهتمام السيّد كمال باللقمة الشهيّة الصحيّة, يُعرف بيت دوما أيضًا بمطبخه ومهارة العاملات فيه بإعداد الأطباق اللبنانية المتميّزة, دفعني ذلك لأن أطلب منهن تجهيز العشاء لنا في هذا المساء, شريطة أن أشاركهن اعداده, وكما قلت لأن بيت دوما يمنحك دوّمًا إحساس ” البيت بيتك ” رحبّن بالطبع بمشاركتي.

           قائمة العشاء يا مدام ستكون كالتالي: سلطة الجرجير والبندورة, الشنكليش, متبّل الباذنجان, وكبة الصينية, مناسب؟ أجبتها بالإيجاب واتفقنا على أن تكون السابعة هي الساعة التي نلتقي فيها على المنضدة الرخامية المطلة على الحديقة الخلفية لنبدئ بالطهو.

            عندما عدنا من نزهتنا في الضيّعة, كانت العاملة قد سبقتني وانتهت من اعداد البرغل, نقعه بالماء وتفتيته وفرمه مع اللحم لتغطية الكبة, قالت لي بأن ذلك سيتطلب وقتًا مما دفعها لعدم انتظاري, ولكن, ” مافي مشكلة مدام, فينا نساوي الحشوة سوا ” كانت من الجنسية السيرلانكية ولكنها تتحدث بلهجةٍ لُبنانية طليقة ومُغناة كما لو أنها ولدت لأبوين لبنانيين, قالت بأنها قضت اثنى عشر عامًا من عمرها هنا, تحب لبنان وتهوى الطبخ على طريقته.

          على الموقد, حمّرت حبات الصنوبر وتركتها جانبًا بعد أن اكتسبت اللون الذهبي اللامع بفعل الزيت, بينما كانت هي تعد اللحم المفروم مع البصل والبهار للحشو, أضافت السبع بهارات التي تكمن فيها سر النكهة في بلاد الشام ” الكمون, الفلفل الاسود, الكزبرة, القرنفل, الدارسين, جوزة الطيب والهال “

          سكبت زيت الزيتون في صينية الفرن, ثم طلبت مني تقسيم عجينة الكبة لقسمين, فردت أحدهما على المنضدة ثم مدّته في قاع الصينية, وضعت الحشوة ثم فردت القسم الثاني ووضعته فوقه بحذر وأطبقت أطرافه, عملتني طريقة تقطيعها كشبكة, وطلبت مني أن أسقيها بزيت الزيتون وأزينها بأنصاف اللوز قبل إدخالها للفرن.

          للسلطة, جاءت بالجرجير الذي قطفناه صباحًا, بأوراقه الكبيرة اليانعة, قطّعت البندورة لقطع صغيرة وعندما أرادت اضافة البصل طلبت منها ألا تفعل, لا أحبذّه نيّا, الصلصة كانت زيت الزيتون والليمون والفلفل والملح, رشت وجهها بالسماق ووريّقات الزعتر البري وحملتها للمائدة.

          من البرّاد, أخرجت كرات الشنكليش – جبن الماعز المعتّق والمجفف – كان مغلّفًا بالزعتر وذو مذاقٍ لاذع, طلبت مني تفتيته بالشوكة وتزيينه بالبندورة المقطّعة لقطع صغيرة وريّه بزيت الزيتون قبل أن أحمله للمائدة.

          كانت حبات الباذنجان المشرّحة والمدهونة بالزيت قد شُويت على الموقد واكتسبت مذاقًا مدخّنا, أزلنا قشوره المُذابة بسهولة, هرسناه, أضفنا الثوم المفروم والزبادي والطحينة وعصير الحامض والقليل من الملح.

طاولة العشاء بجانب المكتبة, المكتبة التي تمتد من الأرض للسقف محمّلة بكتب الوصفات والديكور والسفر وقصص الأطفال بالفرنسية والعربية والإنجليزية, عندما وقفت أتصفّح محتوياتها كانت تنبئ أنها لقارئ شغوفٌ بالفن وانتقاء الكتب بدقةٍ مرهفة.

          المائدة مُغطاة بقماشٍ من السوزاني مطرّز بألوانٍ بهيجة لرسومات تحملُ أزهارًا وطيور وحبّات الرمان, وضعت عليه سارة الصحون والكؤوس والملاعق والشوك وأضاءته بالشموع, استأذنتها بوضع الأزهار التي قامت بقطفها وترتيبها صباحًا لتزيين المدخل, فقالت بالطبع.

          بعد أن أصبحت الطاولة جاهزة, جميلة ودافئة, كما لو أنها مائدةٌ منزلية حميمية, دعوّت زوجي للعشاء.

غادرت البيت، وظلت حلاوة الزيارة عالقة في روحي، فعدت له للانغماس بمسراته مجددًا بعد سنتين من مغادرته، وأتوق للعودة مراتٍ ومرات، لأننا وببساطة، نعود دومًا للبيوت التي أحببنا، للأمكنة التي قرّت بها الروح واستكانت.

One thought on “سياحة الضيعة في لبنان : بيت دوما

  1. تعجز حروفي أن تكتب لك كل ما حاولت ذلك، ولا أجد في قلبي ما أحمله لك إلا الحب والعرفان والشكر على ما تقدميه لنا من مباهج الحياة ❤️

    Like

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s