مرّاكش: السلطانة في لا سلطانه

السلطانه في لا سلطانه

          وصلنا محطة القطار، المحطة تقع خارج المدينة القديمة بطبيعة الحال, واسعة حديثة وممتلئة بمحلات الأطعمة التيك أوي بما يواكب عجلة المسافر, بوابتها الكبيرة ذات التصميم المغربي هي ما طمأنني بأن المحطة وحداثتها لا تعبر عن المدينة، مازال الحكم باكرًا. استقليّنا سيارة الأجرة حيث يحدد سائقها أجرته بناءً على اسم الفندق وصيته وسعر ليلته!

          أخذنا إلى فندق ” لاسلطانه ” بداخل أسوار المدينة القديمة، الرياضات الأربع بجانب مقابر السعديين المطلة على سوقٍ شعبيّ داخلي والقريبة من جامع الفنا والساحة, كلُ رياضٍ منها تم تصميمه على طراز مختلف, مغربي, أندلسي, أفريقي وشرق متوسطي, طلبت من موظف الاستقبال النزول في أحد أجنحة الرياض الأندلسي, وأريته الصورة التي دفعتني للحجز في هذا الفندق فأخبرنا بأن الجناح متاح ولكن تم تجهيز آخر لاستقبالنا, أصررت على طلبي فطلب منا الانتظار في التراس لحين اعداده, صعدنا وإذ بعازفٍ يرتدي جلّابةٍ بيضاء تتدلى من ورائها القلنسوه ويعتمر طربوشًا, يجلس على كرسيٍّ منفرد ويتحضر للأمسية بغناءٍ عذب وعزفٍ على العود, كان يغني ” دي ليلة حب حلوة, بألف ليلة وليلة ” والسماء كانت صافية, والنجوم تصغي لامعةً من بعيد, والهواء اذ يمر يحمل معه رائحة الياسمين ويراقص الغلالات البيضاء فتعبث حولك كأوشحةٍ تطير من أذرع الجواري حين رقصة , و” هو العمر إيه غير ليله زي الليله ” ويواصل الغناء, وينسيك الطريق والقطار والمكان البعيد الذي جئت منه.

          لم يوقظنا من الخدر اللذيذ في تراس لا سلطانه إلا همس الموظفة اللبقة لنا بصوتٍ خفيض: تفضلوا , غرفتكم جاهزة. كأجراء روتينيّ عرفتنا على مرافق والخدمات وقدّمت لنا صينيّة الضيافة , الأتاي والماء والحلويات المغربية والبرتقال البلدي.

          في الصباح, عندما استيقظت في سرير الجناح الأندلسي, فهمت معنى ان يستيّقظ الإنسان بداخل حلمه, كان السرير على مصطبةٍ مرتفعة عن باقي الجناح, ترتفع أمامه الأعمدة الأسطوانية إلى السقف حاملةً معها المقرنصات والزخارف كما في قصور اشبيلية وغرناطة, ستكون أول ما يقع عليه نظرك حين تفتح عيّنيّك.

          وللانغماس الكامل في الاجواء الأندلسية المحيطة فورًا قمت بتغيير إسمي من للا إيلاف, إلى السلطانة!

          في فندق لا سلطانة, وأثناء التجوّل بين رياضاته الأربع ابتكرت لنفسيّ متعةً صغيرة سترافقي عند تجوالي في مدن المغرب كافة, مُتعة عبور الأقواس.
 حيثُ تتعاقب الأقواس في الطرقات والأزقّة ووراء الأبواب وعبر ممرات البيوت، تبدو  كعلامتيّ تنصيص تحفُّ نصاً مدهشاً، كُلُّ قوسٍ يفضي لآخر، وما بيّنهما جنانٌ صغيرة.

الحمام المغربي

          بدت الدهشة بوضوح على وجه الموظفة في فندق لا سلطانة الراقي عندما سألتها عن أفضل حمام عمومي في مرّاكش أستطيع أن أتنعّم فيه كالأميرة بالطقوس السرية المتوارثة للنساء, أو أن يحالفني الحظ فأصادف عروسًا يتم تحضيرها للزفاف. أجابتني مفزوعةً : لا لا ما أنصحك أبدا, الحمامات العمومية القديمة غير نظيفة, وغير آمنة صحيّا, النساء الآن يقصدن الحمامات الراقية في مراكز التجميل والفنادق, الخدمة أفضل والنظافة مضمونة. أثنتني عن الفكرة, وأقنعتني بتجربة الحمام الخمس نجوم في فندقهم مع خبيرة الحمام المغربي للا خديجة.

          حددنا الموعد في صباح اليوم التالي, صحبتني خديجة إلى قسم الحمام والسونا الفاخر, والذي يراعي قواعد بناء وتصميم الحمامات التقليدية, مرصوفٌ بالرخام الصقيل, مضاءٌ بالشموع ومليء بالبخار, في منتصف الحائط صنبوران نحاسيان يتدفق منهما الماء, وضعت خلطاتها ومناشفها في أوانٍ نحاسية متفاوتة الأحجام ودعتني للدخول, أخبرتها بحسرتي وندمي على ضياع فرصة تجربة الحمام الحقيقي فقالت أنها عملت في حمامٍ عموميّ قبل انتقالها للعمل في الفنادق الراقية, وستطيّب خاطري باتباع نفس الطقوس, طلبت منها أن تأخذني عبر الوصف إلى حمام العروسة فقالت:

          يوم الخميس هو اليوم المحدد للعرائس في الحمام, يتبعه ليلة الحناء في يوم الجمعة ثم الليلة الكبيرة ليلة العرس والزفاف في السبت.  يتم حجز الحمام بالكامل, نقوم  بتنظيفه ورشه بماء الورد والبخور بما يليق بالفرح الوشيك, تستأجر العائلة فرقة لاستقبال النساء بالتطبيل والزغاريد, تجيء العروس بصحبة قريباتها يغنين ويتمايلن ويتذكرّن أيامهن القديمة, كلٌ منهن تتحول لشهرزاد, لراويةٍ تحكي قصتها, وما إن تتوقف إحداهن عن الكلام المباح حتى تستلم الأخرى زمام الحكاية ويتضاحكن في غمرة خجل العذراء .

          تبدأ الطقوس بمباركة العروس بالحناء المعجونة بماء الورد, تحمل ” المزوارة”  وهي إحدى قريباتها التي سبق لها الزواج السعيد كفألٍ حسن آنيةً نحاسيّة وتبدأ بتخضيب شعرها وسط أهازيج الفرح. قبل دخولها للحمام, تدهن بها الجسد أيضًا ليرتوي من سر هذه الشجرة .

          تقوم النساء ” بتحييد لتياب ” وتعليقها في الأماكن المخصصة, يستترن بالمناشف ويجلسن في غرفة البخار الحارة على المصطبات الرخامية, تُدعك الأجساد بالصابون البلدي المخلوط بالطمي والزيت وعصير الليمون وماء الورد والعسل, ولكل حمامٍ خلطاته واضافاته, أحيانًا تجيء المرأة معها بالخلطة التي تحضرّها بالبيت وفق وصفةٍ سريّة متوارثة من الجدة وجدة الجدّة, بإضافة الحناء أو أزهار البابونج المطحونة أو اكليل الجبل أو القرنفل والخزامى.

          بعد ربع ساعةٍ أو نصفها, تصحب الكسّالة – المدلّكة – العروس إلى غرفة خاصة لغسلها وفرك جسدها بالليفة أو الكيس كما يُسمى. وبعد التخلص من الجلد الميّت وللتأكد من صفاء البشرة ونعومتها يتم تغطية الجسد بالعكر الفاسي لتوريده ومن ثم غسله ودهنه بزيت الارغان ليحتفظ بطراوته

          عند انتهاء طقوس الاستحمام والطهارة والدلال, تنتقل النسوّة لشرب الشاي والأعشاب المهدئة, وتبدأ والدة العروس بتوزيع الهدايا على العاملات في الحمام – الطيّابات- والتي تتضمن الحليب والسكر والتمر.

صور من فندق لا سلطانه :

الأواني النحاسية

          الأزهار في طريقها لغرف العاشقين، العاملات في لباسهن المغربي التقليدي، الزخارف تنمو حول معاصمهن ورقابهن، يبدين كفازات مزخرفة، يشذبن الأزهار مطلع كل اسبوع، يرتبنها في الأواني النحاسية الصغيرة ويوزعنها على الغرف والممرات والمناضد, سألت إحداهن عن المكان الذي يمكن ان أجد مثل هذه الاواني فأجابتني ” السوق القديم “

” يالله بنا على باب الله يا صنايعيه

يجعل صباحك صباح الخير

ياسطى عطيه “

          ستدوي الاغنية في رأسك وأنت تسير بين العمّال والباعة والصنيّعية في السوق السمارين، السوق القديم لمدينة مرّاكش، المتفرع من ساحة الفنا كنهر جارٍ من القطع الفنية المشغولة يدويا، الغالي منها والرخيص، الجيد والرديء، الجميل والمبالغ بالتجمل، كانت المحال تصطف جنبا إلى جنب، بواجهةٍ صغيرة، وبضائع متكدسة، تدخل فيبتلعك المحل كمغارة علي بابا الملأى بالكنوز، وخلفها تختبئ بيوتُ الصِنعة، البيوت التي تبدو لك ساكنه، متهالكة ان رأيت أبوابها من الخارج، ولكن إن نزلت، فسراديبها مصانعَ للجمال المغربي الذي يصدّر حول العالم، الصنايعيه يعكفون تحت السوق لامداده بالسلع، يراقصون الفخار بايديهم كما يراقص أحدهم محبوبته، ينحتون الأواني، يعزفون على النحاس، يصقلون الحديد، يلونون العظم ويرصعوا فيه الطواجن والمرايا والتحف، صبيةٌ صغار، يتوارثون صنعة الأجداد دون تجديد أو تحريف, القطع التي خرجت من بين أيديهم، اختلطت بشبابهم وزهرة أعمارهم، تزيّن المنازل على بُعد دُولٍ وأزمان، القطع التي يحملها معهم السياح طمعا بحمل المدينة.

          أحب في الأسواق المغربية الشعبيّة أصالتها ، اعتدادها بذاتها ، وعدم مكابرتها على تراثها والتخلي عنه, يندر أن تجد قطعًا مستوردة، أغلب معروضاتها من صنع أهل البلاد، الحقائب الجلدية، الاحذية، الأواني والتكشيطات والقفاطين والجلابيات، القطع النحاسية المطروقة، الكؤوس والطواجن ومعلقات، الباعة المسنين والأطفال الذين يعاونون أجدادهم في المَحال، لم تكن الأسواق للسياح فقط , لم يهجرها سكّان المدينة, بل كانت لهم بالأصل, منها يتبضعون لمنازلهم وموائدهم وقضاء حوائجهم, روّاد السوق يلمؤونه باللهجة المحلية والثياب المغربية الاصيلة.

          حملت معي من سوق مرّاكش والمدن الأخرى التي تبضعت فيها لاحقًا اوعية نحاسية  تستعمل عادة في الحمامات المغربية الدافئة لحمل المناشف والطيب والصابون، أحب أن أجعل منها بساتين صغيرة عند تنسيق مائدة أو تزيين ركن, حملت البلغات الجلدية لي وللأطفال وكهدايا للأقرباء, الثياب المنزلية القطنيّة بتطريزٍ مغربي, البهارات, المفارش, الكروت البريدية بوجوه أهل البلد والصابون البلديّ.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s