البيوت العربية : جنان خلف الجدران

كالبيوت العربية في الشام والاندلس وتونس ومصر، كانت الفكرة التي تقوم عليها الرياضات المغربية هي “تدليل الحواس “
هذه البيوت، الرياضات أو القصور عندما تمرّ بها من الخارج، ستبدو لك سواء، جدرانها متراصة، متصلة لا تدري أين تبتدئُ دارٌ وتنتهي أخرى، لا علاماتٍ خارجية سوى الأبواب، جدرانٌ عالية من الطين الأحمر، بهيئةٍ متماثلة امتثالاً لمبدأ المساواة الذي يحث عليه الدين الإسلامي، لا يتميّز فيها بيت الغني عن بيت الفقير إلا بعد ان يُفتح الباب الخشبيّ الموصد على جَنّةٍ مُستترة، وهنا يكمن مبلغ الإثارة بالنسبة لي.

الباب في البيت العربي عادةً ما يكون مقوّسًا، والأقواس تضفي صفة الحنيّة، كذراعيّن منفتحتيّن للعناق، الروح في حضرتها كأنما هي في حالة احتضان، في هذا المعنى يقول الأديب المصري جمال الغيطاني :

في العمارة الاسلامية التي تتخذ من القرآن مرجعية أولى، تكون المداخل مقتدية بالبسملة التي تضفي السكينة والراحة على روح الانسان. المصمم المسلم أبرز وظيفة أخرى للأبواب، هي الدخول والترحيب وطمأنة الغريب

سيأخذك الباب ابتداءًا في ممرٍ صغير يصدُ أعين العابرين ويستر عورة البيت عن مارّة الزقاق، ما إن تعبره عبر قوسٍ يحدّ الجمال المتواري خلفه كعلامة تنصيصٍ في نصٍ أدبيّ بالغ الجمال حتى تُدرك أن الخارج غير الداخل، وصمت الجدار الذي يحفُّ البيت لا يشبه صخب تفاصيله، القوس ينفرج على  فناءٍ مفتوحٍ على السماء، يُفضي للأعلى، وفي فلسفة الأفنية في البيوت العربية قرأت ذات يوم فكرةً مفادها أن العربيّ ربيب الصحراء، ابنها الذي يصعب أن ينفطم عن حبها واتساعها وانشراحها، لذلك ترك الجزء الأكبر من بيته بلا سقف حين تمدّن، ترك فسحةً سماوية تتيح له الاتصال بالكون، بالنجوم والقمر والضياء والغيم والهواء ، بنى بيته وفيًّا لحنينه للسماء، فجعلها سقفه.

وحين عمّر فناءه استوحى تصميمه من آي القرآن في وصف الفردوس الأعلى، فناءٌ يجري فيه الماء ويغرّد صوته الدافق من فمِ البحرة، يرّهفُ له السمع مع زقزقة العصافير، وقطوفٌ دانية وظلٌ ظليل، تعبق فيه الروائح بفضل الاشجار التي تُزرع في المساحات الفارغة فتمتدُ لها الأيدي للقطف والتذوّق والانغماس في اللذة التي تغشى الحواس كلها ولا تستثني منها شيئا.

ذلك كله بجانب العناية الدقيقة بتفاصيل البناء من مزجِ الفسيفساء والزليج أو حفر الأسقف والأقواس الخشبية وحشد الرسوم والزخرفات والحضور الطاغي للألوان التي تشبع العين والروح، العربيّ الذي رأى سلاطينه يتفننون بتزيين وبناء المدارس والمساجد يزيّنونها وينحتونها ويبذلون الغالي في سبيل خشوع الانسان بين فنونها، أراد ان يكون بيته أنموذجًا عن مسجده ومدرسته وقصر سلطانه وجنة ربه الموعودة له، أضف إلى ذلك الترويح عن النساء اللاتي كنّ يعشن في ” حريم ” البيت ولا يغادرنه إلا في أضيّق الحالات كان الرجل يجتهد في جعله مكانًا مرفّهاً ومسليّا لهن.

إنني وبعد أسفاري العديدة، وسُكناي في رحاب هذه البيوت، أدمنتها.

تخيّل معي يا قارئي، أغمض عيّنيّك وتخيل كيف تكون الحياة في بيتٍ عربيّ، في الصباح لن تتمكن الستائر المطرّزة من حجب أشعة الشمس عن غرفتك، ستملؤها، ستجاوز قضبان الحديد المشغول والزجاج المعشّق بالألوان ونسيج قماش الستائر وأجفانك، ستوقظك الشمس بينما تهب الأطيار لمساعدتها على ذلك بتغريدها العذب اللحوح، ستفتح عينيّك على سقفٍ مزخرف، إما بالجبس أو الرسوم أو حفر الخشب، حين تهم بمغادرة سريرك العتيق ستغوص قدماك في سجّادةٍ بهيجة، تقصد الماء لغسل وجهك، فينفتح باب الحمام على جدراٍ مغطى بالزليج البهيج الملون.

وحين تكون مستعدًا لتناول افطارك، سيكون جاهزًا تحت ظل شجرة نارنج أو برتقال أو ليمون في فناء الدار، شمس المدينة العربية ستكون في أوج سطوعها، في أول الصباح ترسل نورها الأبيض، يتكسّر على وجه ماء البحرة فيومض ويتلألأ كنجومٍ نهارية، في مسيرك من باب حجرتك إلى طاولة إفطارك ستتعطّربشذى الشجيرات العطرية الفواحة، تعبئ روحك بهذه المسرات ثم تمضي في رحلتك لاستكشاف المدينة.

أما في المساء حين تهبط السكينة على المدينة مع إدبار الشمس، وتُغلق الدكاكين وتتسارع خطوات الناس نحو منازلهم لتناول وجبة العشاء والانغماس في لذة الراحة، حين تكتسي المدينة ثوب نومها وتتثاءب، ستعود بأكياس تبضعك وصور كامرتك وذكريات يومك الحلوّة، لتضع جسدك المنهك على أول أريكةٍ تقع عليها عينك في فناء الدار.

الفناء الذي كما ودّعك بالإمتاع فسيستقبلك بالمؤانسة، بضوءٍ خفيض وشموعٍ تتمايل شعلاتها فتخلط النور بالظِلال، وذات الروائح والأصوات والسكينة، سترفع عينيّك كالعربيّ الأول الذي حين بنى بيته بناه وفيّا لحنينه للسماء، سوّر أرضه وانفتح عليها، ستجد السماء كأغلب ليالي المدينة العربية، صافية، كبساطٍ أزرقٍ داكن يشفّ عن عددٍ لا متناهٍ من النجوم، يزداد التماعه ووضوحه كلما ابتعد النهار وازدادت حلكة الليل، وإن كنت حظيظًا بليلةٍ مقمرة، فذاك نعيمٌ قد أتمّه الله عليك.

2 thoughts on “البيوت العربية : جنان خلف الجدران

  1. عظيم ورهيب جدًا هالمقال .. اول مرة اقرأ لك مقال ، واقول احسنتِ 👏🏻
    اخذتيني عالم آخر بدأت اتصور واتخيل وافكر في بيت امالي 💘😭

    Like

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s