الإسكندرية : زيزينيا وقصر النبيلة فاطمة حيدر

إن أردت أن تفهم الاسكندرية ومزاجها وناسها وروحها, إن أردت أن تراها قبل أن تبلغها وتراها, فعليّك بزيزينيا, لا أقصد الخواجة اليوناني الذي وفد للإسكندرية في عهد محمد علي باشا فعمل في التجارة وتقلّد منصب قنصل بلجيكا وابتاع أرضًا خلاءً في حيّ الرمل بنى عليها قصرًا منيفًا فحملت المنطقة اسمه بعد أن خُططت شوارعها ومُدت لها خطوط الترام وتبعه إليها التجّار والأمراء, فاشتروا الاراضي وعمّروا … Continue reading الإسكندرية : زيزينيا وقصر النبيلة فاطمة حيدر

منتخبات بهنا فيلم : ذاكرة سيما مصر

          لو أنني زرت الإسكندرية في الأربعينيات, أي قبل أن تولد والدتي بعشرين سنة, لكان الصرح الأبيض عن يساري متوّجًا بتمثال الخديوي إسماعيل الذي قدّمته الجالية الإيطالية في الإسكندرية كهديةِ امتنانٍ وحُب للمدينة. جُمعت التبرعات وحُملت إلى إيطاليا لصبّ التمثال من البرونز ونصبه في الميدان, ولكن بما أنني زرتها بعد أن أزيح نصف تاريخها, كان التمثال قد أزيل من مكانه بعد الثورة, وحوّلت قاعدته المشرفة … Continue reading منتخبات بهنا فيلم : ذاكرة سيما مصر

مدينة سينا : تجوال في العصور الوسطى

          قيادة السيارة بين بلدات اقليم توسكاني أشبه ما تكون بفتح قصة أطفالٍ مصوّرة والولوج إلى عالمها. المنظر الذي كان يتكرر عن يميننا وشمالنا على طول الطريق هو المزارع العتيقة بحجارتها الرمادية وقرميدها البرتقالي, مداخلها المعبّدة بالرمل والحصى محفوفةٌ بأشجار السروّ المدبب, تصطف في طابورٍ طويل كأنها تؤدي استعراضً عسكريًا منذ الأزل, تفضي إلى مداخل المزارع التي تبدو كعوالمٍ مليئة بالأسرار والغموض.           حزمنا أمتعتنا … Continue reading مدينة سينا : تجوال في العصور الوسطى

الاسكندرية : سيد درويش وشارع العطارين

للمدن كالبشر, أصواتٌ تميّزها, تعيدك إليها كلما سمعتها في بعادك. صوت الإسكندرية كان يصدح عبر غناء سيد درويش, أغنياته القصيرة ذات الكلمات البسيطة المحببة, التي تعبر عن الناس ومعاناتهم اليومية, وتختلط بالهموم الوطنية والتي كان يكتبها له صديقه الشاعر بيرم التونسي, بالإضافة لموسيقاه المبتكرة التي ابتدعها وأحدث بها طفرةً في الغناء العربي.           كان الفتى في صباه يحتضن عوده ويغني في المقهى القريب من منزله … Continue reading الاسكندرية : سيد درويش وشارع العطارين

الإسكندرية : حلواني، شاعر ورسّام

          كانون الأول / ديسمبر, الشهر الذي يجيء كصبيّةٍ تُلقي على كتفها بشالٍ أحمر, فيه تتأنّق المُدن بزينةِ الميلاد, تتوشح طرقاتها بالأضواء البهيجة وتنتشر الأشجار المزيّنة بالأجراس والكرات والمجسّمات الحمراء الصغيرة.           بما أنني من الذين يفضلون السفر شتاءً للهرب من زحام الصيف, زرت عدة مدنٍ وقت تحوّلت لمشهدٍ من مشاهد فيلم ” ترنيمة عيد الميلاد ” أو ” نساء صغيرات “. في إسطنبول ولندن … Continue reading الإسكندرية : حلواني، شاعر ورسّام

اسكندرية بحري

اسكندرية بحري           المدن توزّع أسراها على أماكن عدة, ولكن يوجد على الدوام مكانٌ واحد يتفوّق في اختزال المدينة وتجسيدها.           بعد أن زرت فنادقها التاريخية وتتبّعت خطوات أدباءها وشربت القهوة في مقاهي خواجاتها وركبت حنطورها وتسوّقت من أنتيكاتها وقرأت في مكتبتها ومشيت على كورنيشها, عثرت عليّها قبل أن أتوجه للمطار في حيّ الجمرك.           ” بُصي, هي دي اسكندرية, اسكندرية هيَّ بحري, إن ما … Continue reading اسكندرية بحري

رمان وفنان : نهر الأردن ومتاجر أخرى

اللقاء الأول بشجرة الرمان لم ألحظها, دخلت للمتجر مرّتيّن وخرجت منه ولم أنتبه لوجودها الراسخ في حديقته, حين زرته للمرة الثالثة برفقة طفلتي, رَكَضَت باتجاه الشجرة, ركضت مشدودةً للثمر الأحمر المتدلي من أغصانها وصاحت : ماما, رُمان, شوفي الرُمان.. كانت لحظةٌ تشبه اللحظات التي تنبثق فيها الموسيقى في فيلمٍ رومانسيّ لالتقاء حبيبيّن للمرة الأولى, تلك اللحظة التي تمر بطيئة, يكاد يتوقف فيها الزمن بُرهة. اقتربت, … Continue reading رمان وفنان : نهر الأردن ومتاجر أخرى

فيلا كلارا : تقديم الشغف قبل تقديم المذاق

          مار مخايل, شريانٌ آخر من الشرايين البيروتيّة الحميمة, يتفرّع في الاشرفية ويكمل أسلوبها في سريان الحياة, عماراتٌ معتّقة شبابيكٌ خشبيّة, أشجارٌ معمّرة وبوتيكات متفرقة للحرفيين والانتيكاريا والارتيزانيا وشيءٌ من بقايا الزمن. درجها يربط أسفل الحيّ بأعلاه, عريضُ تصطف على جانبيّه البيوت والشرفات والأزهار المتفتحة على أغصان الأشجار المتعانقة والمتسلقة على الأسوار.           ستطالعك فيه فيلا زرقاء, لونها يشذ عن البيوت المحيطة, نوافذها مغطاة بأشجارٍ … Continue reading فيلا كلارا : تقديم الشغف قبل تقديم المذاق

مقهى فلوريان : الغواية الأولى للقهوة في أوروبا

فلوريان، فنجان القهوة الأول في أوربا           في القرن السابع عشر بينما كانت السفن التجارية تبحر بين موانئ البندقية وموانئ اسطنبول, حملت السفراء والبضائع والفنون والرحّالة والرسامين والكُتّاب والمذاقات وحبوب البُن, الحبوب السحرية التي أتى بها تاجرٌ إيطاليّ تذوّقها في الباب العالي, فلسعت لسانه وأوقدت ذهنه ودبّت النشاط في روحه,. حملها معه بأكياسٍ قماشية إلى دكانته في البندقيّة, وكما قوبلت لأول مرة في مصر واسطنبول … Continue reading مقهى فلوريان : الغواية الأولى للقهوة في أوروبا

قيشاني : الجمال الذي كلما أعدت فيه بصرك أذهلك

          الطين المعجون بروح الشرق وألوانه وأحرفه وزخارف أزهاره، ليتحول إلى تحف كلما نظرت إليها ازددت بها اعجابا, لا تعتاد عينيّك على جمالها أبدا فتملّه، من بين عشرات الفنون التي شاهدتها حول المُدن، الزليج والجبس والكرستالات والفضيات والخزفيات والنحاسيات والسيراميك والأسقف المرسومة المزخرفة، استطيع أن أقول بأن ألواح وفازات وأواني ” القيشاني ” هي أبدع ما رأت عيناي. هذه الحرفة انتقلت من بلاد فارس من … Continue reading قيشاني : الجمال الذي كلما أعدت فيه بصرك أذهلك

بييرا بالاس : الوصول على متن قطار الشرق السريع

قطار الشرق السريع في السنيّ الدراسية الأولى، بالكاد أجّمع الكلمات، أقرأ قصص الأطفال ودروس اللغة العربية، وإلى جانبي، أختي وبنات عمومتي الأكبر سنًا، يتبادلن بينهن روايات يحرم تداولها بين الأطفال، كتبٌ معنونة بأسماءٍ مرعبة، ” موت ، مقتل ، جريمة ، لغز ” وبخطٍ عريض، تحت العناوين التي تبدأ بهذه الكلمات، أسمٌ يتكرر ” أغاثا كريستي “، كنت أراقب كتبها تتبدل بين أيديهن في المجالس، … Continue reading بييرا بالاس : الوصول على متن قطار الشرق السريع

تبضّع الفن في اسطنبول

لا شرقيةً ولا غربية، هكذا ستبدو لك اسطنبول حين تبلغها للمرة الأولى، مدينة بملامح متفردة، لا تشبه وجهاتك التي يممت شطرها قبل على الخارطة, تتكئ بأحد ذراعيّها على أوربا وبالذراع الآخر على آسيا, تأخذ من هذا وذاك, وتصنع أسطورتها. أكثر ما شدني إليها هو هذا التفرد، على عكس المدن التي تتشابه وتتراص بجانب بعض, مدينة مكتفية، تلهم نفسها بنفسها، تستوحي فنونها من روحها المتجذرة في … Continue reading تبضّع الفن في اسطنبول

متحف البراءة : إسطنبول أورهان باموق، المدينة والرواية

          من باب الطائرة إلى باب المتحف, هذا ما حصل معي تماماً في عام 2014 عندما سنحت لي الفرصة بزيارة متحف البراءة الذي افتتح قبل ذلك بسنتيّن, لم تكن الرواية الصادرة في العام 2008 قد تُرجمت بعد ولم أكن قد قرأتها, ولكن افتتاح متحف أدبي في إسطنبول بواسطة أورهان باموق حدثٌ لا يمكن تفويته.           كنت في رحلةٍ إلى اليونان على متن الخطوط التركية, تتخللها … Continue reading متحف البراءة : إسطنبول أورهان باموق، المدينة والرواية

ساد بيرك هانم : ذاكرة نساء اسطنبول

بعيدًا عن الأحياء المكتظة في اسطنبول, ينزوي حيّ ساريير في نهاية مضيق البوسفور جهة البحر الأسود, اتخذه السلاطين كمكانٍ للتنزّه وسط طبيعته الخضراء ونقاء هواءه وانبساط شطآنه, تبعهم بعد ذلك التجّار والسياسيين والدبلوماسيين وأكابر القوم, بنو بيوتًا وقصورًا على حواف الماء بواجهاتٍ خشبيّة تُسمى ” يال “, تتجاور بشكلٍ حميمٍ, ولا تشبه في شيء اسطنبول التي نعرفها.           عندما عبرت المضيق على متن مركبٍ سياحيّ … Continue reading ساد بيرك هانم : ذاكرة نساء اسطنبول

إسكندر: الرجل الذي تحول لأشهر طبق في تركيا

الحيرة في إسطنبول لا تتوقف عند المدخل التاريخيّ الذي يأخذك إليها ولا الملمح العمراني الذي يمثّلها أو الكاتب الذي ستتبع كلماته فيها بل يمتد للمذاق الذي سيظل عالقًا على لسانك والطبق الذي ستشتهيه كُلما مرّ بك اسمها.           طبقٌ معدنيّ صغير تسكنّه قطعة كنافة مقرمشة يقدّمه إليك النادل في محل بقلاوجي حافظ؟ جرّةٌ فخّارية تتلظى بداخلها قطع اللحم والخضار الغارقة بالصلصة الغنيّة تتناولها على الغداء … Continue reading إسكندر: الرجل الذي تحول لأشهر طبق في تركيا

الشتاء / الربيع ، في إسطنبول

الربيع في اسطنبول قونايدن اسطنبول..صباحُ الخيرِ مثنى وثلاث ورُباعقونايدن إذ اتنزّل عليّك من السماء صباحاً للمرةٍ الرابعةآتيكِ وقد اختلط بعينيكِ الصحوُ وآثارُ الغلَسآتيكِ والمآذن تتمطى إيذانا بقدومِ الفجرالقِبابُ تتوضئ للصلاةوالنوارس تمارس نفيرها الصباحيّ فوق البحر وباحاتِ المساجدقونايدن، قلتها صيّفا وشتاءً وخريفاولكنها إذ آتيكِ بالربيعتتفتح في فمي كزهرةِ توليب في حوضِ شجرةٍ قديمة خلف مسجدكِ الأزرقكزهرةِ توليب تتكور برحمها المدينةوتجتمع فوقها البتلات، تضم نفسها وتنفرج ككفيّن … Continue reading الشتاء / الربيع ، في إسطنبول

اسطنبول : سلطانة المدن

حين تعود, تعود مثقلاً بروح المدينة, تفرغ حقائبك فيمتلئ قلبك بالحنين, بالشوق للذكرى القريبة التي كنت تسكنها لتوّك, لم تفق من سكرتك بعد, مأخوذٌ أنت بها ولم تُفلتك ” كيف يمكن للناس أن يغرموا باسطنبول على الرغم من كل هذا الحزن الذي تسببه لهم, ليس سهلا أن تعشق مدينة بكل هذا الجمال الذي يخلع الفؤاد “. *إيليف شافاق في اسطنبول, تتدفق الحياة منذ ساعات الفجر … Continue reading اسطنبول : سلطانة المدن

البندقية : اسطورةُ تعوم على تاريخها

          لو طلب مني كتابة أسطورةٍ تفسّر نشوء البندقيّة, لقلت بأنه كان هناك في قديم الزمان بحًارٌ فتيّ, مليح المُحيّا عريض المنكبيّن مفتول الذراعيّن, يعتمر قبعةً بيضاء مستديرة ويرتدي قميصًا بخطوطٍ زرقاء, يجدّف على متن زورقٍ خرافيٍ أسود, منقوشٌ بالذهب وموسومٍ بقصيدةٍ منسيّة, رسا على أطراف إيطاليا, غمره الماء ونمت على روحه الطرقات والأبنية والجسور والمراسي وصارت البندقية.           هناك مدن تبدو أجمل في مجلات … Continue reading البندقية : اسطورةُ تعوم على تاريخها

إيطاليا : السحر الذي سيمس قلبك

ما أبحث عنه في السفر هو السحر, ذاك الذي يمسّ قلبك دون اعتبار لكون المدينة جميلة أم لا, أنيقة أم فوضوية, عصرية أم قديمة ورثة, السحر الذي يسكنها كومضةٍ برّاقة, ما إن تراها ستعلق بعيّنيّك للأبد روما, فلورنسا وميلانو  ” كنوز إيطاليا الفنيّة لا يستطيع الانسان مشاهدتها في أقل من عام, إلا إذا تبنى طريقة السياح الأمريكان الذين يحملون الكامرة ويتصورون أمام أبواب المتاحف! إن … Continue reading إيطاليا : السحر الذي سيمس قلبك

فلامنكو

في المسرح, في صفوفه الخلفيّة , عجوزٌ تجلسُ مثلي وحيدة , يكشفُ بريقُ عينيّها عن راقصةٍ كانت في ما مضى تراقِصُ الدنيا بيديّها , ابتسامُها الذي لا يتجاوز انحناءةَ بسيطةً في شفتيّها , يُنبأ عن ذاكرتها المتخمة بالحفلاتِ والفرح , ترى في الراقصةِ شبابها الذي أفل , وجسدها الذي كان يمتدُ ويمتد , دون أن يعي بأنه سينثني ويتحدّب كما هو الآن . وفي الأمام … Continue reading فلامنكو

فستان أسباني

فستانٌ اسبانيّ لا لا , إنه لابنتي, سترتديه في  ” فيريا دي ابريل “ هكذا رفضت صاحبة المتجر أن تبيعني فستان الفلامنكو المعلّق في الجزء الداخلي من بيتها / متجرها.           في واجهات محال التذكارات والتي تمتد من البيوت المنتشرة حول مسجد قرطبة تتدلى فساتين الفلامنكو الرخيصة, بأقمشتها الرديئة وموديلاتها المكررة, بما يجذب السائحات ذوات الميزانية المنخفضة أو يغري السائحين بشراء العديد من الفساتين كهدايا … Continue reading فستان أسباني

زعفران

          كما لو أنها خيوطٌ من ذهب, كانت النساء قديمًا في بلادنا تحتفظ بالعلب الصغيرة التي تحتوي على خيوط الزعفران في خزائن المجوهرات مع حليّهن ومصاغهن الذهبي, لم يكن يستخدم في الطهو يوميّا, بل يخبّئ للأعياد والمناسبات السعيدة, كان يرش على وجه الأرز بعد نقعه بماء الورد كإعلانٍ عن الفرح أو تباهٍ بالقدرة المادية الفائقة للأسر التي تستعمله في مطبخها.           يُقّدم أيضّا بعد وضعه … Continue reading زعفران

اسبانيا : سياحة لاسترجاع المجد المسلوب

يركب الناس الطائر للسفر من مكانٍ لآخر, اما بالنسبة لي فالطائرة هي آلة الزمن، الثقّب الذي تنفرج عنه السماء على الماضي. أزور المدن توّقاً لأمسها وبحثاً عن بقايا وجهها القديم. سياحة لاسترجاع المجد المسلوب السفر ليس مجرد جبال خضراء ووديان تسري من تحتها الأنهار, ليس بحيرات لازوردية وشوارع تمتلئ بالمقاهي والسائحين ومجمعات فارهة, ماذا عن الارتباط بالمكان وثقافته وتاريخه؟ أن تسافر لذاكرة البلد, أو عبر … Continue reading اسبانيا : سياحة لاسترجاع المجد المسلوب

سالزبورغ: السير على نوته موسيقية

صوت الموسيقى           هل زرتم من قبل نوتة موسيقية؟ هل مشيتم كالعلامات السوداء الصغيرة على سلالم الدرج الموسيقي الخمس؟ كانت سالزبورغ هي المدينة التي وجدتها على هيئة نوتة موسيقية عندما زرتها, ورحت أحلّق في تراثها الموسيقيّ كمعزوفةٍ منبثقة من مفاتيح آلة بيانّو.           في سالزبورغ استضافتني عائلة ” تراب ” ربما لن تتمكنوا من تذكر الاسم ولكن من منكم يستطيع أن ينسى ماريا أو الآنسة … Continue reading سالزبورغ: السير على نوته موسيقية

فنجان قهوة في فيينا

وصلت القهوة إلى فيينا عبر حملات الجيش العثمانيّ الذي حاصرها طويلاً قبل أن يعود إلى ثكانته في إسطنبول دون أن يستطيع دخولها.           خلّف الجيش وراءه أكياس البن, الحبّات البنيّة الداكنة مرّة المذاق, ذات القدرة العجيبة على تغيير المزاج وايقاظ الذهن, حُملت إلى البلاط كغنيمةٍ ثمينة وانتشرت بين أوساط النبلاء إلى أن وصلت لأيدِ العامة الذين استحسنوا مذاقها وأعجبوا بتأثيرها فافتتحوا المقاهي لاحتسائها, بعضهم لم … Continue reading فنجان قهوة في فيينا

سيسي، هل المتاحف تكذب؟

          بشعرٍ أسودٍ منساب كليّلةٍ طويلة, مرصّعٌ بنجومٍ ماسيّة تلتمع على ظهر الفستان الأبيض الملكيّ, كما تبدو تماماً بداخل اطار اللوحة الشهيرة التي رُسمت لها تأتيني إمبراطورة النمسا إليزابيث, أو ” سيسي ” كما يُطلق عليها شعبها المُحب, تأخذ بيدي لجناحها الفاخر في قصر شونبرون, جناحها نبيذيّ اللون, قانٍ إلى حد الغرق, مذهّبٌ ببذخ ومحتشد بالأثاث الفاخر, الجناح الذي كانت تختنق بين جدرانه المزخرفة وأسقفه … Continue reading سيسي، هل المتاحف تكذب؟

ليالي الأنس في فيينا

الحنين يجمّل المدن, بعض المدن تبدو اجمل عندما تغادرها وتنظر إليها من بعيد, ربما ستبصر فيها بعد ذلك مالم تبصره وأنت هناك, بعض المدن حضورها بالذاكرة أجمل.           تُغني والدتي, تُغني مثلما فعلت أسمهان وهي تظهر على خشبة المسرح بفستانها الكلاسيكيّ وجمالها الأسطوري الأخّاذ, تحمل مهفة ريش النعام بيديّها وحولها يدور الراقصون في رقصةِ فالسٍ تؤدى كما لو في أحد قصور أسرة هاسبورغ, تُغني والدتي … Continue reading ليالي الأنس في فيينا

المدن كحالة أدبية

لكُلٍ سفره ورحلته، لكلٍ منا ما يبحث عنه ويسعى وراءه حين يحمل غربته ويمضي بعيدًا عن وطنه، أنا أشدّ رحلي شَطر الحكاية حين أسافر، حكاية المدينة، ذكراها، شخوصها وذكرياتها، الزمن الذي يروى في أروقتها وبيوتها وأسواقها، والزمن الذي رُوِيَ عنها في الكتب. المدينة، أي مدينة أمد إصبعي لأشير نحوها على الخارطة وأقول وقد رفّ قلبي: ستكون وجهتي المقبلة، إنما أراها كحالةٍ أدبية، كنصٍ مُتجلٍ في … Continue reading المدن كحالة أدبية

Sticky post

اتبع قلبك

يا قارئي المُبجّل، اتبع قلبك، أنا قلبي يأخذني على الدوام لمدائن الشرق، قلبي يشدّني نحو الحكاية والأسطورة والخرافة والذكرى، في مدائن الشرق، وجدت الحكاية وسهولة الوصول إليها، وجدت الترحاب من القلب والحفاوة والاحتفاء وحرارة المشاعر، وجدت الحياة متروكةً على سجيّتها دون تشذيبٍ أو اهتمام بما يجب فعله وتغييره لإرضاء السيًاح واجتذابهم. مدائن الشرق مضيافة، وبيوتها كقلوب ساكنيها مفتوحة، رحيبة ومُهلية على الدوام، تستفيض حنانًا باستقبال … Continue reading اتبع قلبك

منزلك، سجل ذاكرتك

في كل سفر أفتح ذاكرتي كحقيبةٍ نهمة, أعبأها بالذكريات على هيئة أصواتٍ وروائح وألوان ونكهات, حتى اذا ما اشتقت لمدينةٍ ما, استحضرتها عبر اللذات الحسيّة التي خلّفتها في روحي. ارتبطت عندي بعض الألوان ببيوتٍ ما, الأصفر ببيت دوما وبيت القمر ومسرّات الجبل اللبنانيّ, العنابي بفنادق فيينا الفاخرة وبالميرا وبيرا بالاس, السماويّ بشفشاون ورياض شريفة والزهريّ الفاتح بألبيرغو, ارتبطت عندي مذاقاتٌ بعيّنها بجلساتِ الغداء أو العشاء … Continue reading منزلك، سجل ذاكرتك

حبس الذاكرة

          ” قفّ, تصوير اجباري ! “ هكذا كنت أعبّر عن ضجري في الأسفار كلما طلب منا والدي الوقوف للتصوير, يحرص أشد الحرص على حمل كامرة الفيديو الضخمة معه أينما حلّ, بالإضافة لشريطيّن من الحجم الكبير حتى إذا ما انتهى أحدهما استبدله بآخر وكامرة التصوير الفوتوغرافي التي يفرّغ أفلامها ويطبع صورها بمجرّد الوصول للكويّت. في غرفته, دولابٌ يمتلئُ بالأشرطة, على كل شريط ملصقٌ يحمل ملخّصًا … Continue reading حبس الذاكرة

خفة الأجنحة وثقل الجذور

خفّة الأجنحة وثقل الجذور           كلما ألقيّت رحلي وأدرت ظهري لخارطة العالم في هدنةٍ مؤقته وقلت اكتفيّت, راودتني عن نفسي, كشفت لي عن حسنٍ خبيء في مدينةٍ جديدة وقالت: هيت لك. قلبي كان مضطربًا على الدوام, كبوصلةٍ شغوفةٍ بالاتجاهات.           أحيانًا, أفكر أن ما يفعله بنا السفر أنه يوزّع ذاكرتنا على البلدان, يُراكم في قلوبنا الحنين للمدن التي قد زرنا, والشوق لاكتشاف المزيد.           كنت … Continue reading خفة الأجنحة وثقل الجذور

الكتب أجنحة سفر

سافرت مرارا على متن الكتب, حملتني الكلمات إلى مدائن بعيدة, أدخلتني بيوتًا قصيّة, منحتني جنسيّات عدة وعولمتني!           حين اتخيّر الكتاب الذي سأقرئه أميل دومًا للكتب التي تُسّتلهم من المُدن وأناسها, الكتب التي تمسك بيديك وتسير بك في طرقاتٍ قد لا تصلها أبدا, تصف لك المعالم والساحات والأسواق فتقرأ كأنها هناك, تَطوّفُ وتجول. ذلك النوع من الأدب الذي يجلسك على موائد الطعام فتحس بمذاق الأطباق … Continue reading الكتب أجنحة سفر

حكاوي قديمة

صوغة، مباهج الطفولة الحكاية, كُل حكاية, تبتدئ من هناك, من السنيّ الغضّة والحواسُ في بداية تفتّحها حيثُ الذاكرة صفحةٌ لم يُسكب عليها حبرٌ بعد. كان السفر يعني لي حقائبُ العائدين وهي تُفتح محمّلة بالهدايا، ما نسميه في بلادنا “صوغة”, وأهم ثلاث مواسم للصوايغ بالنسبة للطفلة التي كنتها: بداية الصيف حيث تأتي خالتي من الامارات مع أبنائها ونهاية الصيف حيث تعود جدتي لأبي من السعودية وبواكير … Continue reading حكاوي قديمة

Sticky post

سأفشي لك سرًا

إليك كيف يحدث الأمر: قد تقرأ أسم مدينة ما في كتاب، تشاهد شوارعها في فيلم، تسمع أغنياتها في الراديو، تصادف أحد سكانها في متجر البقالة، تنبعث من تحت ركام ذاكرة حصة الجغرافيا، تصحو من غفوتها الطويلة في قصص الطفولة، قد تباغتك المدينة في برنامجٍ وثائقيّ عن الشعوب، أو كتاب طهوٍ لمدائن حوض المتوسط، قد ترى زيًّا مبهرجًا من أزيائها، تتناهى إليك لغتها ولكنة لسانها، قد … Continue reading سأفشي لك سرًا